مقالات

المعز مجذوب يكتب : كافي يصل… والتوازن المؤسسي يعود، والثقة تُستعاد

 

لم يكن وصول والي ولاية جنوب كردفان، الفريق شرطة حقوقي محمد عبدالرحيم كافي، إلى حاضرة الولاية مجرد وصول مسؤول إلى مكتبه، ولا مناسبة بروتوكولية تُلتقط فيها الصور وتُرفع فيها الشعارات؛ بل كان وصوله، في تقديري، لحظة سياسية وإدارية مهمة أعادت شيئاً من التوازن المؤسسي المفقود إلى الولاية، وأعادت للمواطن إحساساً بأن الدولة موجودة، وأن مؤسساتها يمكن أن تستعيد عافيتها.

جنوب كردفان ليست ولاية عادية.

هي ولاية دفعت ثمناً باهظاً من الحرب، وتراكمت فيها ملفات الأمن والسياسة والإدارة والاقتصاد والخدمات، حتى أصبح المواطن لا يبحث فقط عن الوالي الذي يدير الحكومة، وإنما يبحث عن الدولة التي يشعر بها ويحتمي بها ويثق في مؤسساتها.

ومن هنا تأتي أهمية وصول كافي.

فالوالي في الولاية التي خرجت من ظروف استثنائية لا يُقاس نجاحه بكثرة الاجتماعات، ولا بعدد القرارات، ولا بعدد الزيارات الميدانية وحدها؛ وإنما يُقاس بقدرته على إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين المركز والولاية، وبين الإدارة الأهلية والجهاز التنفيذي، وبين الأمن والاقتصاد والخدمات.

التوازن المؤسسي ليس ترفاً

ما افتقدته جنوب كردفان خلال مراحل سابقة لم يكن مجرد نقص في القرارات، بل كان هناك شعور عام بأن التوازن بين مؤسسات الولاية وفاعليها يحتاج إلى إعادة ضبط.

وحين تختل موازين المؤسسة، يزداد نفوذ الأشخاص، وحين يتقدم الأشخاص على المؤسسات، تضيع المسؤوليات، وحين تضيع المسؤوليات يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف.

لذلك فإن أول اختبار حقيقي أمام كافي ليس أن يثبت أنه أقوى من الآخرين، وإنما أن يثبت أنه أقوى بالمؤسسة.

أن يجعل الوالي مؤسسة، والوزارة مؤسسة، والمحلية مؤسسة، والإدارة الأهلية مؤسسة مجتمعية محترمة، والأجهزة النظامية تؤدي أدوارها وفق القانون، والمواطن يجد باباً واضحاً يصل من خلاله إلى الدولة.

هذه هي المعادلة التي تحتاجها جنوب كردفان.

المواطن لا يريد والياً فوق الناس… بل والياً قريباً من الناس

المواطن في كادقلي، وكالوقي، والليري، وتلودي، وهبيلا، ودلامي، وأبو جبيهة، والبرام، وكل محليات الولاية، لا ينتظر خطباً سياسية طويلة.

هو يريد أن يرى الدولة في الماء، والصحة، والتعليم، والأمن، والأسواق، والطرق، والعدالة، وفرص العمل، وحماية موارده.

ويريد أن يعرف: أين تذهب إيرادات الولاية؟

ومن يدير الذهب؟

ومن يحاسب المقصر؟

وكيف تتحول موارد جنوب كردفان من ثروة تُستنزف إلى قوة اقتصادية تعود على أهلها؟

وهنا تحديداً يجب أن يكون كافي مختلفاً.

فجنوب كردفان لا تفتقر إلى الموارد، وإنما تفتقر إلى الإدارة التي تجعل الموارد في خدمة الدولة والمواطن.

الذهب… الاختبار الأكبر

إذا أراد الوالي أن يصنع فرقاً حقيقياً، فعليه أن ينظر إلى التعدين باعتباره ملفاً اقتصادياً وسيادياً، لا مجرد نشاط تجاري.

الولاية غنية بالذهب، ولكن السؤال الذي ظل قائماً هو:

كم تنتج الولاية؟ وكم يدخل خزينة الدولة؟ وكم يصل إلى إنسان جنوب كردفان؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما تحتاج إلى أرقام وشفافية ومؤسسات ورقابة.

وأي طن من الذهب يخرج من أرض جنوب كردفان دون أن يكون للدولة والمجتمع نصيب معلوم ومعلن منه، هو في الحقيقة فرصة اقتصادية ضائعة، وربما باب من أبواب الخلل الذي يجب أن يُغلق.

وهنا يمكن لكافي أن يجعل من ولايته نموذجاً في ضبط الموارد، لا بالشعارات، وإنما بإنشاء منظومة واضحة للمتابعة والتحصيل والرقابة والتنسيق مع الجهات الاتحادية المختصة.

كافي أمام فرصة… لا أمام مهمة عادية

وصول الوالي الجديد يجب ألا يُفهم باعتباره بداية حكومة جديدة فقط، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للولاية.

والترتيب الحقيقي يبدأ من احترام المؤسسات، وإبعاد الإدارة عن الشخصنة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وربط كل مسؤول بمؤشرات أداء واضحة.

لقد تعبت جنوب كردفان من التجارب التي تبدأ بقوة ثم تنتهي إلى صراعات النفوذ.

المرحلة القادمة تحتاج إلى شيء مختلف:

حكومة تعمل، ومؤسسات تتوازن، ومسؤوليات واضحة، ومواطن يراقب، ووالي يسمع ويحاسب ويُحاسَب.

وهذا هو معنى الدولة.

رسالة إلى كافي

السيد والي جنوب كردفان،

أنت لم تصل إلى ولاية خالية من الملفات، بل وصلت إلى ولاية مليئة بالفرص والمخاطر في الوقت نفسه.

أمامك مجتمع يريد أن يصدق الدولة من جديد.

وأمامك شباب يريدون مستقبلاً لا مجرد وعود.

وأمامك موارد يمكن أن تجعل جنوب كردفان واحدة من أغنى ولايات السودان إذا أُديرت بصورة صحيحة.

وأمامك إدارة أهلية ينبغي أن تكون شريكاً في الاستقرار، لا بديلاً عن مؤسسات الدولة.

وأمامك أجهزة ومؤسسات تحتاج إلى التنسيق لا التنافس.

لذلك فإن المطلوب منك ليس أن ترضي الجميع؛ فذلك مستحيل.

المطلوب أن تكون عادلاً مع الجميع، وأن تجعل معيارك هو القانون والكفاءة والمصلحة العامة.

فإذا فعلت ذلك، ستجد أن كثيراً من الذين يختلفون معك اليوم سيحترمونك غداً.

الثقة لا تُطلب… بل تُبنى

الثقة التي بدأت تعود إلى المواطن مع وصول الوالي لا ينبغي أن تُستهلك في الاحتفالات والاستقبالات.

يجب أن تتحول إلى برنامج عمل.

فالمواطن لن يقول إن كافي نجح لأن موكبه وصل إلى كادقلي، وإنما سيقول ذلك عندما يرى المؤسسة تعمل، والخدمة تصل، والمال العام يُصان، والذهب يُراقب، والمسؤول يُحاسب، والمواطن يُحترم.

وهنا فقط يصبح وصول الوالي حدثاً يتجاوز الأشخاص إلى مشروع لاستعادة الدولة.

جنوب كردفان تحتاج اليوم إلى والٍ لا يبحث عن صناعة مجد شخصي، وإنما يصنع مؤسسات تبقى بعد رحيله.

فالأشخاص يذهبون، أما المؤسسة إذا تأسست على قواعد صحيحة فإنها تبقى.

كلمة أخيرة

أنا لا أكتب هذا المقال مجاملة للوالي، ولا حكماً مسبقاً على تجربته.

بل أقولها بوضوح:

نحن أمام فرصة، والفرص لا تتكرر كثيراً.

وصول الفريق شرطة حقوقي محمد عبدالرحيم كافي يمكن أن يكون بداية لاستعادة التوازن المؤسسي، وترميم الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع والموارد.

لكن ذلك لن يحدث بالتمنيات.

سيحدث عندما يشعر المواطن أن القانون فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق النفوذ، والمصلحة العامة فوق الحسابات، وثروة الولاية تعود إلى الولاية وأهلها والدولة.

عندها فقط نستطيع أن نقول:

كافي لم يصل إلى كادقلي فقط… بل بدأت معه محاولة جديدة لوصول الدولة إلى المواطن.

وربنا يولي من يصلح، ويعين من يحمل الأمانة، ويحفظ جنوب كردفان وأهلها، ويجعل ولايتها القادمة عنواناً للأمن والاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى