مقالات

كابتن عادل المفتي يكتب : بعد عودة الدولة… لماذا ينهار الاقتصاد؟

رئيس مركز دراسات 6 أبريل

 

كان السودانيون ينتظرون أن تحمل عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتعافي، وأن تنعكس التحولات السياسية والإدارية الأخيرة على حياتهم اليومية أمناً وخدماتٍ ومعاشاً. فقد عادت الحكومة إلى العاصمة، وتشكلت حكومة مدنية تضم أصحاب كفاءات علمية وأكاديمية معتبرة، وعاد آلاف المواطنين إلى ديارهم ولجنة الامل مازالت تساعدهم وتشجعهم للعودة وهم يحملون أملاً كبيراً في أن تكون هذه بداية الخروج من نفق الحرب الطويل.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان صادماً للكثيرين.
ففي الوقت الذي كان الناس يتوقعون فيه تحسناً تدريجياً في الأوضاع الاقتصادية، شهد الجنيه السوداني تراجعاً مقلقاً أمام العملات الأجنبية، وقفز الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفعت أسعار السلع والخدمات بصورة أنهكت الأسر السودانية التي استنزفتها الحرب أصلاً. وأصبح السؤال الذي يتردد في الشارع السوداني اليوم: كيف يتدهور الاقتصاد بعد عودة الدولة، بينما ظل أكثر استقراراً خلال بعض مراحل الحرب ومن العاصمة البديلة ؟
إن الأزمة الحالية لا يمكن تفسيرها بالحرب وحدها، لأن الحرب كانت قائمة من قبل. ولا يمكن تحميل المواطن مسؤولية ما يجري، لأنه هو أول ضحايا هذا الانهيار. الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة هي أن هناك خللاً واضحاً في الأداء التنفيذي والإدارة الاقتصادية، وأن السياسات المتبعة حتى الآن لم تنجح في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب.
والأخطر من ذلك أن تنامي السوق الموازي للعملات وتراجع قيمة الجنيه يثيران تساؤلات مشروعة حول مدى فاعلية الرقابة المالية والنقدية، وحول قدرة الأجهزة المختصة على مواجهة المضاربات والاحتكار والتلاعب بقوت المواطنين. فالدولة التي لا تستطيع حماية عملتها الوطنية تجد نفسها عاجزة عن حماية اقتصادها بأكمله.
كما أن الحديث عن الفساد لم يعد مجرد اتهامات متبادلة أو أحاديث مجالس. فالمواطن الذي يرى الأسعار ترتفع يومياً والخدمات تتراجع والموارد تتبدد، من حقه أن يتساءل: أين تذهب الأموال؟ ومن يراقب الإنفاق العام؟ ومن يحاسب المقصرين؟ إن الفساد، إذا وجد، لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق ثقة المواطنين في دولتهم ومستقبلهم.
اليوم لا يحتاج السودانيون إلى المزيد من الخطب والوعود، بل يحتاجون إلى أفعال وقرارات عاجلة. يحتاجون إلى حكومة تجعل معاش الناس القضية الأولى، لا القضية الخامسة أو العاشرة. يحتاجون إلى حكومة تنظر إلى فاتورة الكهرباء والمياه وأسعار الخبز والدواء ورسوم التعليم باعتبارها مؤشرات حقيقية لنجاحها أو فشلها.
إن الأولويات الوطنية في هذه المرحلة يجب أن تكون واضحة ولا تحتمل التأجيل:
أولاً: وقف الانهيار المستمر في سعر الصرف عبر سياسات اقتصادية ونقدية فعالة وحاسمة.
ثانياً: إطلاق حملة شاملة لمكافحة الفساد ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار المال العام أو استغلال النفوذ.
ثالثاً: تحسين الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم باعتبارها حقوقاً للمواطن وليست امتيازات.
رابعاً: مراقبة الأسواق والحد من الاحتكار وجشع بعض التجار الذين يستغلون الظروف الاستثنائية لتحقيق أرباح غير مشروعة.
خامساً: توجيه مؤسسات الدولة كافة نحو خدمة المواطن وتخفيف أعبائه المعيشية اليومية.
سادسا : ودي روشته اخيرة : الحوكمة والإنتاجية العالية وادارة الموارد بحكمة عالية وحسب الاولويات وتقليص منصرفات الجهاز الحكومي والرقابة اللصيقة والشفافية والعمل التنفيذي المستدام والتوكل علي الله . هما مفتاح النجاح .

إن نجاح الحكومة لا يقاس بعدد الوزراء أو المؤتمرات الصحفية أو التصريحات الإعلامية، وإنما يقاس بقدرتها على حماية المواطن من الفقر والعوز، وبقدرتها على إعادة الثقة في الجنيه السوداني، وبقدرتها على جعل الناس يشعرون بأن عودة الدولة كانت بداية للحل لا بداية لأزمة جديدة.
السودان اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن تنتصر الإرادة السياسية على الفساد والتراخي وسوء الإدارة، وإما أن تتسع الفجوة بين الدولة والمواطن. وما لم تصبح معركة تحسين معاش الناس هي المعركة الأولى للحكومة، فإن كل النجاحات الأخرى ستظل ناقصة، لأن الدولة القوية تبدأ من مواطن قادر على العيش بكرامة وأمان.
لقد صبر السودانيون كثيراً، وقدموا التضحيات الجسام من أجل بقاء الوطن. والآن من حقهم أن يروا نتائج ملموسة على أرض الواقع، لا في البيانات والتصريحات. فالمواطن لا يعيش على الوعود، بل يعيش على اقتصاد مستقر وخدمات متاحة وحياة كريمة. وهذه هي المهمة الحقيقية التي تنتظر الحكومة اليوم قبل الغد ، واذا لم نجد جهاز رقابي حقيقي من الشعب سنظل نتساءل ونتساءل : أين تذهب الأموال؟ ومن يراقب الإنفاق العام؟ ومن يحاسب المقصرين؟ إن الفساد، إذا وجد، لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق ثقة المواطنين في دولتهم ومستقبلهم.
وكما قلنا سابقا بدون مجلس تشريعي أو برلمان مؤقت إلي حين انتخابه من الشعب .. يحاسب الجهاز التنفيذي ويقيل المقصرين ويحاكم الفاسدين وينفذ القانون .. سيظل الحال كما هو .
وكما قال المؤرخ والمفكر الساسي اللورد أكتون
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة

وبالبلدي كده :
خلو الناس تعين بعض وخلو الشعب يعينكم ويراقب الجهاز التنفيذي يشكر من يشكر ويحاسب من يحاسب ويحارب الفساد ويحاكم المفسدين الله ح يعينكم ويعين الشعب .

واذا مافي رقابة ومافي شفافية ومافي محاسبة .. الله يعين الشعب .
قال تعالي : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
صدق الله العظيم —
سورة البقرة، الآية 251

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى