المعز مجذوب يكتب : اتحاد النوبة.. عندما يتحول الحوار إلى جسر بين الدولة والنوبة

حين تتعدد الأصوات وتتشعب المطالب، تصبح قوة أي قضية مرهونة بقدرتها على توحيد رؤاها قبل مخاطبة الدولة. ومن هنا تبرز أهمية الحوار النوبي–النوبي؛ فهو ليس ترفاً سياسياً ولا لقاءً عابراً، بل هو الطريق لبناء موقف نوبي متماسك، يعبّر عن تطلعات أبناء النوبة، ويخاطب الدولة بلغة واضحة ومسؤولة وقابلة للتحول إلى سياسات وقرارات.
خيراً فعل اتحاد النوبة وهو يقود حواراً مع الدولة حول قضايا النوبة، والأهم من ذلك أنه يفتح الباب أمام الحوار النوبي–النوبي؛ لأن القضايا الكبيرة لا تُدار بالصوت الواحد، ولا تُبنى بالتخندق، وإنما بالتفاهم، والاستماع، والبحث عن القواسم المشتركة.
وفي تقديري، فإن نجاح هذه المبادرة يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: النوبة شعب له قضايا وتطلعات وحقوق، لكنه في الوقت نفسه مجتمع متنوع في رؤاه واجتهاداته ومواقفه السياسية والاجتماعية. وهذه التعددية ينبغي أن تكون مصدر قوة، لا سبباً للانقسام.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوده الزعيم والرمز النوبي الأستاذ محمد أبوعنجة أبوراس، والذي يحظى بقبول واسع وسط قطاعات من أبناء النوبة، في قيادة هذا الاتحاد وفتح مساحة للحوار.
إن قيمة أي قيادة لا تقاس فقط بعدد المؤيدين لها، وإنما بقدرتها على جمع المختلفين حول طاولة واحدة، وتحويل الاختلاف من صراع إلى حوار، ومن تباين في الرؤى إلى مشروع مشترك.
الحوار النوبي–النوبي هو البداية
إذا كان اتحاد النوبة يريد أن يكون جسراً حقيقياً بين الدولة والنوبة، فإن الخطوة الأهم هي أن ينجح أولاً في بناء جسر داخل البيت النوبي نفسه.
فلا يمكن الوصول إلى رؤية تفاوضية قوية مع الدولة دون حوار داخلي واسع يشارك فيه:
القيادات الأهلية والإدارات التقليدية.
الشباب والمرأة.
المثقفون والأكاديميون.
القيادات السياسية والمدنية.
رجال الأعمال وأصحاب المبادرات المجتمعية.
ممثلو المناطق والكيانات النوبية المختلفة.
أصحاب الرؤى التي تختلف مع قيادة الاتحاد.
الاختلاف ليس مشكلة؛ المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
من الحوار إلى أجندة واضحة
المطلوب ألا يبقى الحوار مجرد لقاءات ومؤتمرات، بل أن يتحول إلى أجندة نوبية واضحة تحدد الأولويات، وتفرق بين ما هو عاجل وما هو استراتيجي.
فالقضايا التي ينبغي أن تكون حاضرة على طاولة الحوار مع الدولة تشمل التنمية والخدمات، والتعليم والصحة، والبنية التحتية، وحماية الأرض والموارد، وتعزيز المشاركة السياسية والإدارية، وحفظ الهوية والثقافة النوبية، وضمان أن تكون مناطق النوبة جزءاً فاعلاً في صناعة القرار الوطني.
وهنا تحديداً تظهر أهمية القيادة: أن تجمع المطالب المختلفة في وثيقة واحدة قابلة للنقاش والتنفيذ، بدلاً من أن تتحول القضية النوبية إلى عشرات الأصوات المتفرقة.
محمد أبوعنجة أبوراس.. الاختبار الحقيقي
الأستاذ محمد أبوعنجة أبوراس ومن معه في قيادة الاتحاد أمام فرصة مهمة، لكن هذه الفرصة تحمل مسؤولية أكبر.
فإذا كان القبول الشعبي الذي يحظى به أبوراس يمثل رصيداً حقيقياً، فإن المطلوب تحويل هذا الرصيد إلى مشروع جامع لا إلى اصطفاف جديد.
والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الاتحاد على أن يقول:
نحن لا نتحدث باسم النوبة لإقصاء أحد، وإنما نتحدث باسم قضية نريد أن يشارك الجميع في صياغتها.
وهذا هو الفارق بين قيادة تبحث عن النفوذ، وقيادة تبحث عن الحل.
يا أبناء النوبة..
لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الحديث عن قضايانا إلى مرحلة تنظيم قضايانا، ومن تعدد المنابر إلى تنسيق المواقف، ومن الاختلاف حول الأشخاص إلى الاتفاق حول المبادئ والأهداف.
وإذا نجح اتحاد النوبة في جعل الحوار النوبي–النوبي أساساً للحوار مع الدولة، فسيكون قد وضع لبنة مهمة في بناء علاقة أكثر وضوحاً بين الدولة والمجتمع النوبي.
فالحقوق لا تُنتزع بالفوضى، ولا تُصان بالانقسام، وإنما تُدار بالوعي والتنظيم والحوار ووحدة الرؤية.
خيراً فعل اتحاد النوبة.. والأهم الآن أن يواصل الطريق، وأن يجعل من الحوار بداية لمشروع نوبي جامع، لا مجرد محطة عابرة.


