السادس والعشرون من سبتمبر.. يومٌ كتب فيه الجيش تاريخ الخرطوم بدم الشهداء

كتب : جادالله فضل المولي
في مثل هذا اليوم، السادس والعشرون من سبتمبر من العام ألفين وأربعة وعشرين، لم يكن يوماً عادياً في روزنامة السودان، بل كان يوماً مفصلياً انشق فيه فجر الخلاص من قلب الظلام، كان اليوم الذي قررت فيه القوات المسلحة السودانية الباسلة أن تضع حداً لليل الخرطوم الطويل وأن تبدأ معركة التحرير الكبرى، معركة عبور كوبري الحلفايا التي ستظل محفورةً في ذاكرة الأجيال كملحمةٍ للبطولة والفداء لا تتكرر.
لقد كانت الخرطوم قبل ذلك اليوم مدينةً مختطفةً، عاصمتها تئن تحت وطأة احتلال المليشيا الغادرة، شوارعها تئن من دنس الغزاة وبيوتها تنزف قهراً ووجعاً، وكان كوبري الحلفايا هو الفاصل بين الأمل واليأس وبين الصبر والانفجار، وكانت المليشيا تحصنه وتظن أنها بسيطرتها على كباري العاصمة قد قطعت أوصال الوطن إلى الأبد وأن الخرطوم قد سقطت في يدها بلا رجعة، ولكنها نسيت أن للسودان جيشاً لا يعرف المستحيل وأن للخرطوم رجالاً أقسموا ألا يعودوا إلا محمولين على الأكتاف شهداء أو داخلين إليها محررين.
وفي صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر انطلقت ساعة الصفر، لم تكن مجرد عمليةٍ عسكريةٍ بل كانت عبوراً للتاريخ كله، تقدمت قواتنا المسلحة بقلوبٍ لا تعرف الخوف وبعزيمةٍ لا تلين، تعبر كوبري الحلفايا تحت وابلٍ من الرصاص وتحت أزيز المدافع، كل خطوةٍ كانت تروى بدم شهيدٍ وكل مترٍ كان يطهر بجرح جريحٍ، كانوا يعلمون أنهم يعبرون إلى الموت أو إلى المجد ولا خيار ثالث بينهما، فاختاروا المجد للوطن والموت في سبيله عن طيب خاطر.
لقد كان مشهد العبور مهيباً يدمي القلب ويوجع الروح، شبابٌ في عمر الزهور تركوا مقاعد الجامعات ودفء البيوت وحملوا البندقية ومضوا يزحفون نحو الخرطوم، منهم من سقط شهيداً على مدخل الكوبري وهو يهتف الله أكبر ومنهم من وصل إلى الضفة الأخرى وهو ينزف ويواصل القتال حتى آخر رمق، كانوا يكتبون بدمائهم الزكية أول سطرٍ في صفحة تحرير العاصمة، وبهذا العبور المقدس سقطت أسطورة المليشيا وتهاوت كل كباري العاصمة الواحد تلو الآخر في يد الجيش، فما أن تم تأمين الحلفايا حتى انهارت دفاعات العدو في شمبات والخرطوم بحري وتداعت أوكاره كبيت العنكبوت.
إننا اليوم ونحن نحيي ذكرى هذه المعركة الخالدة لا نملك إلا أن نقف إجلالاً وانحناءً لأرواح الشهداء الذين عبروا قبلنا إلى السماء، أولئك الذين لم يبخلوا على الخرطوم بدمائهم ولم يساوموا على تحريرها، يرحم الله جميع الشهداء الذين ارتقوا في ذلك اليوم المجيد وفي كل أيام معركة الكرامة، من ضباطٍ وجنودٍ ومستنفرين ومجاهدين، الذين لولا تضحياتهم ما عدنا إلى بيوتنا ولا رفعنا رؤوسنا، ونسأل الله الشفاء العاجل لجرحانا الأبطال الذين ما زالت جراحهم شاهدةً على عظمة ما قدموا والذين يحملون في أجسادهم أوسمة الشرف التي لن يمنحها لهم أحدٌ سوى الله والوطن.
لقد كان السادس والعشرون من سبتمبر بداية الغيث وبداية العودة، ومنه انطلق قطار التحرير الذي لم يتوقف حتى تطهرت الخرطوم كلها، وسيظل هذا اليوم في ذاكرتنا الوطنية يوماً للعبرة والعزة، يذكرنا بأن الخرطوم لا تحرر بالبيانات ولا بالفنادق بل تحرر بعبور الكباري تحت النار وبدماء الرجال التي لا تجف، رحم الله الشهداء وشفى الجرحى ونصر جيشنا نصراً عزيزاً مؤزراً.



