
ما يجري الآن بين واشنطن والخرطوم بشأن تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يتجاوز، في دلالته السياسية، مجرد إجراء قنصلي.
فبحسب تقارير حديثة، لم تُمنح التأشيرة حتى 22 سبتمبر 2026، بينما أفادت مصادر بأن إصدارها يبدو مرتبطًا بموقف البرهان من مقترح هدنة لمدة 90 يومًا طرحه المبعوث الأميركي مسعد بولس. وفي المقابل، قالت الأمم المتحدة إنها أثارت الأمر مع السلطات الأميركية، وإن الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبّر عن قلقه من عدم إصدار التأشيرة.
Reuters +١
وهنا تبدأ الأسئلة الاستراتيجية.
التأشيرة ليست القضية الوحيدة
إذا صح الربط بين التأشيرة والموافقة على الهدنة، فإن واشنطن لا تستخدم هنا أداة دبلوماسية تقليدية فحسب، وإنما تربط امتيازًا دبلوماسيًا بحق رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة في المشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة بموقفه من مسار تفاوضي.
وهذا يفتح بابًا شديد الحساسية:
هل نحن أمام ضغط دبلوماسي من أجل وقف الحرب؟
أم أمام محاولة لتغيير شروط التفاوض نفسها قبل أن تبدأ العملية السياسية؟
الفارق بين الاثنين كبير.
فالولايات المتحدة تقول، وفق مقترحها المعلن سابقًا، إن الهدنة الإنسانية لمدة 90 يومًا هدفها حماية المدنيين وإيصال المساعدات، على أن تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية سياسية انتقالية. وكانت الحكومة السودانية قد أبدت موافقة على المبادئ العامة للمقترح، مع تحفظات تتعلق بالحوار السياسي والترتيبات الأمنية وانسحاب القوات.
Sudan Tribune
الهدنة نعم.. ولكن ماذا بعدها؟
هذه هي النقطة التي يجب أن ينشغل بها التفكير السوداني.
فالهدنة في ذاتها ليست سلامًا، ووقف إطلاق النار ليس تسوية سياسية.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا سيحدث في اليوم الأول بعد انتهاء التسعين يومًا؟
إذا كانت الهدنة ستقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب القوات، وترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وعودة النازحين، ووصول المساعدات، ثم حوار سوداني واسع؛ فهذه مسارات يمكن قياسها ومناقشتها.
أما إذا تحولت الهدنة إلى جسر يعيد إنتاج الأزمة السياسية دون معالجة جذورها، فإن السودان قد ينتقل من الحرب العسكرية إلى صراع سياسي طويل على شرعية الدولة ومن يمثلها.
الخطر الأكبر: أن يصبح وقف الحرب مدخلًا لتحديد شكل الدولة
التطور الأكثر أهمية في الموقف الأميركي هو ما نُسب إلى مسعد بولس في سبتمبر الجاري من أن واشنطن لا ترى مستقبلًا سياسيًا لكل من البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وأنها تؤيد انتقالًا سريعًا إلى حكم مدني.
The National News
هذه النقطة تحتاج إلى قراءة هادئة.
فإخراج الرجلين العسكريين من المعادلة السياسية قد يُفهم أميركيًا باعتباره محاولة لمنع استمرار حكم العسكريين، لكنه يطرح في المقابل سؤالًا سودانيًا أساسيًا:
من يحدد شكل المرحلة الانتقالية؟ ومن يختار القوى التي تشارك فيها؟ ومن يملك الشرعية لتحديد مستقبل السودان؟
هذه ليست أسئلة تفصيلية؛ إنها جوهر الصراع السياسي القادم.
وقد ظهرت بالفعل رؤى سودانية متباينة. فبعض القوى المدنية التي اجتمعت في أديس أبابا طرحت مسارًا يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: إنساني، ووقف دائم لإطلاق النار، ومسار سياسي مدني، مع التأكيد على مظلة دولية موحدة.
Sudan Tribune
وفي المقابل، توجد رؤية حكومية مختلفة بشأن الحوار الداخلي وشروط المشاركة فيه.
معهد واشنطن
إذن نحن أمام خلاف على شكل العملية السياسية نفسها، وليس فقط على موعد وقف إطلاق النار.
الخط الأحمر: لا ينبغي أن تصبح الهدنة مكافأة سياسية
أي هدنة جادة ينبغي أن تكون متبادلة وقابلة للتحقق.
فلا معنى لهدنة تُجمّد خطوط السيطرة العسكرية بينما تبقى قضايا جوهرية بلا معالجة:
من ينسحب من أين؟
من يجمع السلاح؟
من يحمي المدنيين؟
من يراقب الالتزام؟
كيف تُفتح الطرق الإنسانية؟
ماذا يحدث للقوات الموجودة داخل المدن؟
كيف يتم التعامل مع القوات الأجنبية والدعم الخارجي؟
كيف تُمنع إعادة بناء المليشيات؟
وما علاقة الهدنة بمستقبل الجيش السوداني والدولة؟
هذه الأسئلة أهم من مجرد توقيع وثيقة هدنة.
الدولة السودانية يجب ألا تدخل العملية السياسية بلا تصور
هنا تحديدًا ينبغي أن تتحرك الخرطوم بذكاء استراتيجي.
ليس المطلوب رفض كل مبادرة أميركية، وليس المطلوب قبولها كاملة.
المطلوب هو التفاوض على التفاصيل التي تحدد مستقبل السودان.
فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة، بينما يمتلك السودانيون حق تحديد مستقبل دولتهم.
والتعامل الذكي مع واشنطن لا يكون بالانفعال، وإنما بتقديم رؤية سودانية مكتوبة ومتكاملة تتضمن:
هدنة إنسانية متبادلة ومحددة المدة.
آلية مراقبة مستقلة وشفافة.
ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين دون توظيف سياسي.
ترتيبات واضحة لخروج القوات من المدن والمناطق المدنية.
وقف تدفق السلاح والدعم الخارجي إلى أطراف الحرب.
مسار واضح لإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
عملية سياسية سودانية لا تُفرض نتائجها مسبقًا من الخارج.
مشاركة القوى المدنية والاجتماعية السودانية وفق معايير معلنة.
جدول زمني محدد للانتقال السياسي.
ضمان أن لا تتحول الهدنة إلى تثبيت دائم لواقع الانقسام العسكري أو الإداري.
أما قضية تأشيرة البرهان فتحتاج إلى قراءة قانونية ودبلوماسية
هناك أيضًا بُعد أممي لا ينبغي تجاهله.
فالسودان أثار المسألة رسميًا أمام الأمين العام للأمم المتحدة، معتبرًا أن استمرار عدم إصدار التأشيرة قد يمنع رئيس وفد دولة عضو من المشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة. والأمم المتحدة أعلنت بالفعل أنها أثارت الأمر مع السلطات الأميركية.
Reuters +١
وفي المقابل، تقول واشنطن إن لديها صلاحيات بموجب قانونها الداخلي تتعلق بالتأشيرات، بينما تثار تساؤلات بشأن التزامات الدولة المضيفة تجاه الأمم المتحدة. لذلك فالمسألة ليست سياسية فقط، بل لها بعد قانوني ودولي أيضًا.
Sudan Tribune
الرسالة الأخيرة
السودان يحتاج إلى السلام، ولا يحتاج إلى حرب بلا نهاية.
لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى سلام لا يعيد إنتاج الحرب بصورة أخرى.
فالهدنة المطلوبة ينبغي أن توقف القتال، والعملية السياسية ينبغي أن تعالج أصل الأزمة، والترتيبات الأمنية ينبغي أن تمنع عودة الحرب، والدولة المدنية القادمة ينبغي أن تستند إلى إرادة سودانية واسعة لا إلى هندسة خارجية.
أما تأشيرة الدخول، فإن كانت قد تحولت بالفعل إلى ورقة ضغط مرتبطة بالموافقة على هدنة، فإن التطور يستحق قراءة استراتيجية هادئة؛ لأن القضية لم تعد فقط: هل يدخل البرهان واشنطن أم لا؟
السؤال الأكبر هو:
ماذا تريد واشنطن أن يحدث في السودان بعد الهدنة؟
وماذا تريد الخرطوم أن يكون عليه السودان بعد الحرب؟
وهل يملك السودانيون حتى الآن تصورًا تفاوضيًا متكاملًا يجيب عن السؤالين؟
هنا تحديدًا تبدأ معركة ما بعد الحرب.


