المعز مجذوب يكتب : الفريق أول ركن شمس الدين كباشي… حينما يكون المستشار شريكًا في صناعة التاريخ

ليست كل المعارك تُخاض في ميادين القتال، فهناك معركة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها أشد خطرًا، وهي معركة صناعة القرار. وفي هذه المعركة لا يكون السلاح بندقية، وإنما عقلٌ راجح، ورأيٌ سديد، ومستشارٌ أمين.
والفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم يقف اليوم في واحدة من أكثر مراحل حياته العامة حساسية، ليس لأنه يشغل موقعًا رفيعًا في الدولة فحسب، وإنما لأن التاريخ لا يحاسب المناصب، بل يحاسب أصحابها على ما تركوه من أثر.
لقد ظللنا نردد، وسنظل نردد، أن التاريخ كتابان لا ثالث لهما؛ صفحة للمدح، وصفحة للذم. وليس هناك إنسان يستطيع أن يكتب صفحته بيده وحده، فالمستشارون هم الذين يمسكون بالقلم في كثير من الأحيان، ويوجهون مسار الأحداث، ويقربون الرؤية أو يحجبونها.
ولذلك فإن حاجة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي اليوم ليست إلى كثرة المستشارين، وإنما إلى قوة المستشارين؛ رجال يمتلكون شجاعة قول الحقيقة قبل أن يمتلكوا مهارة تزيينها، ويضعون مصلحة السودان فوق كل اعتبار، ولا يحولون مكاتبهم إلى غرف للمجاملة أو صناعة الأوهام.
إن أخطر ما يواجه أي قائد ليس خصومه، وإنما المستشار الذي يقول له ما يحب أن يسمع، ويخفي عنه ما يجب أن يعرف. فكم من قائد هزمته بطانة السوء قبل أن يهزمه خصومه، وكم من مسؤول أسقطه التصفيق الكاذب قبل أن تسقطه الوقائع.
المناصب لا تدوم، والكراسي لا تعرف الوفاء لأحد. ويومًا ما سيغادر الفريق أول ركن شمس الدين كباشي موقعه، كما غادره من سبقوه وسيغادره من يلحقونه. ولكن السؤال الذي سيبقى: ماذا سيقول عنه الناس عندما يصبح جزءًا من ذاكرة الوطن؟
هل سيذكره السودانيون بأنه رجل دولة قدّم المصلحة العامة، وأحاط نفسه بأصحاب الكفاءة والنزاهة؟ أم سيقال إن بطانته صنعت حوله جدارًا من العزلة، فلم يرَ إلا ما أرادت له أن يرى، ولم يسمع إلا ما أرادت له أن يسمع؟
إن المستشار الحقيقي لا يقيس نجاحه بقربه من المسؤول، بل بما يتركه من أثر في الدولة. وهو يعلم أن ولاءه الأول ليس للأشخاص، وإنما للوطن، وأن النصيحة الصادقة قد تكون مرة، لكنها وحدها التي تصنع القادة الكبار.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مستشارين يبرعون في كتابة التقارير المنمقة، ولا إلى محترفي الثناء والإطراء، وإنما يحتاج إلى عقول استراتيجية، تقرأ المستقبل قبل أن يقع، وتستوعب تعقيدات المرحلة، وتدرك أن صناعة الدولة لا تقوم على ردود الأفعال، وإنما على الرؤية والبصيرة.
وليعلم كل من يعمل إلى جوار الفريق أول ركن شمس الدين كباشي أن مسيرة الرجل ليست ملكًا له وحده، بل هي أمانة بين أيديهم. فما يكتبونه اليوم في دفاتر القرار سيكتبه التاريخ غدًا في دفاتر الأمم، ولن تنفعهم يومها المناصب ولا الألقاب.
إن التاريخ لا يرحم، ولا يجامل، ولا يعرف العلاقات الشخصية. إنه يسجل الوقائع كما هي، ثم يترك للأجيال أن تصدر أحكامها.
ولذلك، فإن أعظم هدية يمكن أن يقدمها المستشار لقائده ليست كلمات الثناء، وإنما كلمة الحق، وأصدق أشكال الوفاء ليس الموافقة الدائمة، وإنما النصيحة الأمينة التي تمنع الخطأ قبل وقوعه.
ويبقى السؤال الكبير…
هل سيختار الفريق أول ركن شمس الدين كباشي مستشارين يصنعون له صفحةً مشرقة في كتاب التاريخ، أم يترك قلمه في يد من لا يرون أبعد من حدود المنصب؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام… وسيكتبه التاريخ، بحبرٍ لا يجف .


