أخبارتقارير

منطقة قرى  : سماحة التعايش وجزالة العطاء

دكتور : جاد الله فضل المولى

 

في قلب ريفي شمال بحري، تقع منطقة قري ، حيث تمتزج بساطة الحياة بجمال الطبيعة، ويعيش أهلها بروحٍ من السماحة والكرم الذي يميز الإنسان السوداني الأصيل. هذه المنطقة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي لوحة إنسانية تعكس قيم التعايش والتعاون بين سكانها. تقف قري شامخة كأرضٍ تحمل بين طياتها إرثاً حضارياً عريقاً يمتد لأكثر من خمسمائة عام.كانت هذه المنطقة عاصمة العبدلاب ، الذين لعبوا دوراً محورياً في تاريخ السودان، حيث أسس عبدالله جماع تحالفاً قوياً مع الفونج، مما أدى إلى قيام السلطنة الزرقاء، إحدى أهم الفترات التاريخية في البلاد.

تضم قري العديد من المعالم التاريخية،وإرث تاريخي غني أبرزها مقبرة الشيخ عجيب المانجلك في قري الغار ، وهو أحد القادة البارزين الذين ساهموا في توسيع نفوذ العبدلاب وترسيخ الحكم الإسلامي في المنطقة. كما أن المنطقة تحتضن كنوز العنج ، التي يُقال إنها مدفونة في مناطق خور موسى وأم ضو والرميلات ، مما يجعلها ذات أهمية أثرية كبيرة.

رغم هذا الإرث العظيم، لم تحظَ قري بالاهتمام الذي تستحقه من الحكومات المتعاقبة. لم يتم تطوير بنيتها التحتية بالشكل المطلوب، ولم تُستثمر مواردها التاريخية والسياحية بالشكل الذي يليق بمكانتها. هذا الإهمال جعل سكانها يعتمدون على الزراعة والتجارة والرعي كمصادر رزق رئيسية، رغم إمكانياتها الكبيرة التي يمكن أن تُستغل في مجالات أخرى.

ورغم كل التحديات، يظل أهل قري مثالاً حياً للكرم والسماحة، حيث يعيشون بروحٍ من التعاون والتآخي، ويستقبلون الضيوف بحفاوة تعكس أصالة المجتمع السوداني.هذه القيم المتجذرة تجعل قري ليست مجرد منطقة جغرافية، بل رمزاً للهوية السودانية التي تجمع بين التاريخ والإنسانية

يتميز أهل قري بطيبتهم الفطرية، فهم أناس مسالمون يعيشون في وئام مع بعضهم البعض، تجمعهم روابط اجتماعية قوية قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل.تجدهم يفتحون أبوابهم للضيف دون تردد، ويقدمون له ما لديهم من طعام وشراب بكرمٍ لا يعرف الحدود. هذا السخاء ليس مجرد عادة، بل هو جزء من هويتهم التي توارثوها عبر الأجيال.

حيث يتبادل الناس السلع والخدمات بروح التعاون، مما يعزز من اقتصادهم المحلي. أما الرعي، فهو مهنة متجذرة في ثقافتهم، حيث يعتنون بالمواشي ويحرصون على توفير أفضل الظروف لها لكنها بطريقة بداية، مما يعكس ارتباطهم العميق بالطبيعة.

في قري، لا تُقاس الثروة بما يملكه الإنسان من مال، بل بما يملكه من أخلاق وقيم. فالبساطة هنا ليست ضعفاً، بل هي قوة تعكس نقاء القلوب وصفاء النفوس. هذه المنطقة تبقى شاهدة على أن العطاء لا يرتبط بالغنى، بل بالإرادة الصادقة لمساعدة الآخرين ومد يد العون لكل محتاج.

يُعد الكرم جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية لسكانها. هذه العادات ليست مجرد تصرفات فردية، بل هي قيم متوارثة تعكس روح التعاون والتآخي بين أفراد المجتمع.

عندما يزور شخصٌ ما قري، يُستقبل بترحيبٍ حار، حيث يُقدم له الطعام والشراب دون أن يُطلب منه ذلك. يُعرف أهل المنطقة بأنهم لا يسألون الضيف عن حاجته، بل يبادرون بتقديم كل ما لديهم من .في المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس والمآتم، يتكاتف الجميع لتقديم الضيافة بأفضل صورةتُقام الولائم الكبيرة، ويُشارك الجميع في إعداد الطعام وتقديمه للضيوف، حيث يُعتبر ذلك واجباً اجتماعياً يعكس روح الجماعة.

من العادات الفريدة في بعض القرى السودانية،ومنها قري، أن أبواب المنازل تبقى مفتوحة دائماً، خاصة في النهار، كدليل على حسن الضيافة واستعداد أهل البيت لاستقبال أي زائر في أي وقت.

لا يقتصر الكرم على تقديم الطعام بل يمتد ليشمل المساعدة في الأعمال اليومية مايعرف بالنفير إذا احتاج أحدهم إلى دعم في الزراعة أو الرعي أو البناء،تجد أهل قري يتعاونون معه دون انتظار مقابل،المساعدة هنا تُعد جزءاً من التقاليد الراسخة.قري يا أرض الحضارة.حفظ الله إنسان قري.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى