مقالات

التعاطف الزائف والمصطنع لدى المسؤولين : حين تتحوّل معاناةُ الناس إلى أداةٍ للتلميع الإعلامي

سلام سالم / صحفي من العراق

 

 

 

في السنوات الأخيرة اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد متكررة لمسؤولين يجوبون الشوارع يصافحون المواطنين يوزعون المساعدات ويستجيبون لنداءات إنسانية تتصدر الصفحات المؤثرة.

تبدو هذه اللقطات في ظاهرها دافئة وقريبة من القلب تحصد آلاف الإعجابات وتعليقات الإشادة التي تحتفي بـ”إنسانية” المشهد وقربه من الناس.

لكن خلف هذا الحضور الكثيف تبرز أسئلة ملحّة: هل تعكس هذه الصور واقعًا حيًا كما هو؟ أم أننا أمام مشاهد محكَمة الإخراج صيغت بعناية لتقديم المسؤول في هيئة مثالية؟

تشير الوقائع إلى أن كثيرًا من هذه الجولات لا تترك للصدفة بل تنسق مسبقًا بتفاصيل دقيقة: اختيار المكان تحديد التوقيت انتقاء الحالات بل وحتى رسم ملامح التفاعل كل ذلك يوحي بأننا لسنا أمام لحظة إنسانية عفوية بل أمام مشهد معد يخدم سردية محسوبة تعلي من الصورة أكثر مما تلامس جوهر الحاجة.

لا خلاف على أن مد يد العون فعل نبيل لكن الإشكال يبدأ حين يختزل هذا الفعل إلى أداة ترويج عندها تتحول معاناة الناس إلى وسيلة لتحسين الصورة وتفقد المبادرات روحها الأخلاقية ليغدو الفعل الإنساني عرضًا إعلاميًا يفتقر إلى الصدق.

ومع مرور الوقت لم يعد الجمهور متلقيًا ساذجًا فقد تنامى الوعي وأصبحت هذه المشاهد تقابل بنظرة فاحصة ترصد التكرار وتفكك الأنماط وتطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث خارج إطار الكاميرا؟

يرى مختصون في العمل الاجتماعي والسياسي أن العمل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى عدسات تلاحقه ولا إلى تصفيق يرافقه إنه فعل هادئ متواصل تقاس قيمته بما يتركه من أثر مستدام في حياة الناس لا بما يحصده من تفاعل لحظي.

أما التعاطف المصنوع فقد ينجح في لفت الأنظار مؤقتًا لكنه سرعان ما يتآكل أمام اختبار الزمن فالمصداقية لا تبنى بصورة عابرة بل بسلوك متكرر صادق ومتجذر.

في النهاية تبقى مسؤولية الوعي مشتركة على الجمهور ألا ينساق وراء كل ما يعرض بل أن يحسن التمييز بين الحقيقة والاستعراض فثمة فرق شاسع بين إنسانية تمارَس في صمت… وأخرى تعرض تحت الأضواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى