ناجي الكرشابي يكتب : حكومة الأمل.. بين عقدة التمثيل ومخرج الحكمة..!

مذ بدء المشاورات الفعلية لتشكيل حكومة “الأمل” بقيادة د. كامل إدريس، بدأ يطفو إلى السطح تعقيد سياسي من نوع خاص، يتعلق باختيار ممثلي الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، بجانب مطالبات جديدة من أطراف مدنية داعمة للقوات المسلحة في الحرب، من جانب آخر هنالك عناصر انسلخت عن مليشيا الدعم السريع وانضمت إلى الصف الوطني.
هذا التزاحم السياسي المفاجئ يعكس حقيقة واحدة: أن الحرب لم تُعدّل فقط موازين القوة على الأرض، بل أعادت رسم خريطة الولاءات والتحالفات، وفرضت على النخبة السياسية تحديات لم تكن في الحسبان.
أبرز ما يلفت النظر هو موقف الحركات الموقعة على اتفاق جوبا وقاتلت فعلياً إلى جانب القوات المسلحة ضد التمرد، وقدّمت تضحيات على الأرض دفاعاً عن وحدة السودان.
إقصاء هذه الحركات أو تجاهلها قد يُعد خطأً استراتيجيًا فادحًا، أو نكرانًا لحقائق المرحلة، خصوصاً أن بعضها يمتلك وزناً تفاوضياً وسياسياً وميدانياً لا يمكن القفز عليه.
أيضًا مع تصاعد المعارك، شهدنا موجة انشقاقات داخل مليشيات الدعم السريع، بعضها ميداني وآخر سياسي، حيث أعلنت مجموعات من الضباط والجنود والمدنيين انسلاخها وعودتها إلى حضن الوطن، وأبدى بعضهم رغبة واضحة في الانخراط ضمن مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
الاعتراف بهذه العودة لا يجب أن يتم بشكل عاطفي، بل من خلال آلية مدروسة تُفرّق بين من تاب والتزم فعليًا، وبين من يسعى فقط إلى موطئ قدم سياسي. وهنا يُطرح سؤال بالغ الأهمية ،هل يُكافأ الإنشقاق بنفس مقياس الالتزام الوطني منذ
ومن جانب آخر، جاءت مطالبة الجاكومي – رئيس مسار الشمال في اتفاق جوبا – بالحصول على “ربع السلطة” كاستحقاق سياسي، لتفتح بابًا جديدًا من الجدل حول العدالة في التمثيل داخل الحكومة القادمة.
رغم أن الجاكومي لا يملك ذراعًا مسلحًا فعليًا سوى تصريحاته الأخيرة بالسعي لتدريب عدد من المستنفرين ، إلا أن طرحه قد يُعبّر عن إحساس بالتهميش لدى قطاعات في الشمال، ورفضهم لما يعتبرونه احتكارًا للقرار السياسي من قبل مجموعات جغرافية أو إثنية دون غيرها ، هذه المطالبات لا يجب الاستخفاف بها، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحوّل خطاب الإنصاف إلى سلاح تأزيم وابتزاز سياسي.
أمام هذا المشهد المليء بالتقاطعات، تبدو مهمة دولة رئيس الوزراء شديدة التعقيد. ومع ذلك، فإن في الأفق حلولاً عقلانية يمكن أن تُحدث توازناً حقيقياً وقد تتلخص في الآتي
1. الاعتراف بجميع القوى التي ساهمت فعليًا في الدفاع عن الدولة، سواء كانت حركات موقعة على اتفاق جوبا أو قوى وطنية مدنية أو منشقين أثبتوا انتماءهم الصادق للوطن، لكن وفق معايير واضحة ومدروسة.
2. عدم جعل الحكومة ساحة لتقاسم الغنائم، بل التركيز على الكفاءة والنزاهة مع مراعاة التوازنات السياسية، بما يحفظ وحدة الجبهة الداخلية.
3. دعوة كافة المكونات الفاعلة إلى طاولة حوار مصغر حول المشاركة العادلة، تحت مظلة الشراكة الوطنية لا المحاصصة الجهوية.
4. رفض محاولات التأزيم المتعمدة من بعض الأطراف الداخلية والخارجية التي تسعى لإفشال الحكومة قبل أن تبدأ، عبر إثارة حساسيات الجهوية أو استدعاء مرارات الماضي.
أقول إن حكومة الأمل أمام اختبار الحكمة حيث لم تعد القضية مجرد توزيع حقائب وزارية، بل هي اختبار وطني حقيقي ، هل يمكن أن تبني حكومة تُرضي الجميع دون أن تسقط في فخ المحاصصة؟ وهل يستطيع كامل إدريس أن يُعيد تعريف الشراكة الوطنية على أساس العدل و الاعتراف بالتضحيات؟
الخروج من المأزق ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة في القرار، ووضوحًا في الرؤية، وشفافية في الاختيار ، فالبلاد لا تحتمل مزيدًا من الاستقطاب. ومن يقف مع الوطن اليوم، يجب أن يجد له مكانًا في مستقبله.
هذا التداخل في المطالب والولاءات يستوجب على رئيس الوزراء قراءة المشهد بعين الحكمة لا المجاملة، وإدراك أن من وقف مع الوطن في ساعة العسرة لا يجوز تجاهله في ساعة البناء، شريطة أن تُراعى الكفاءة، وتُحترم معايير النزاهة.
وفي ظل مطالبات مثل تلك التي طرحها الجاكومي باسم مسار الشمال، يجب أن تتعامل الحكومة القادمة مع الجميع بمنطق الإنصاف الوطني لا المحاصصة الجغرافية، وبعقل الدولة لا حسابات الكيانات.
ليس المطلوب إقصاء أحد، ولا مكافأة الجميع بالتساوي، بل تأسيس معادلة جديدة ، فمن ساهم في حماية الوطن، يستحق أن يُشارك في ترميمه، ضمن حكومة كفاءات وطنية تُراعي التوازن وتُغلق أبواب التأزيم.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل التجريب ولا المحاباة. والحكمة تقتضي أن تُبنى حكومة ترضي الجميع، لا بإرضاء الأطراف بل بفرض معيار العدل والوضوح والجدارة.



