
في المشهد السوداني المضطرب، حيث تختلط المواقف بالتحولات، وتتشابك الحسابات بالمصالح، تبرز بعض الأحداث بوصفها لحظات فارقة تستحق التأمل العميق، لا الاكتفاء بردود الفعل العابرة. ومن بين هذه التطورات اللافتة، يأتي انسلاخ النور قبة من صفوف الجنجويد باعتباره حدثاً سياسياً وأمنياً يطرح تساؤلات مشروعة حول دلالاته الحقيقية، ومآلاته المستقبلية، وانعكاساته على مسار الأزمة الوطنية.
فهل نحن أمام مراجعة صادقة تنبئ بتحول نوعي في بنية الصراع؟ أم أمام إعادة تموضع تكتيكية فرضتها ضرورات المرحلة؟ وهل يمثل هذا الانسلاخ نعمة تُحسب لصالح الوطن، أم نغمة عابرة في معزوفة المصالح المتبدلة؟
إن قراءة مثل هذا الحدث لا ينبغي أن تنطلق من العاطفة أو الرغبة في تسجيل المواقف، بل من تحليل موضوعي يستند إلى فهم طبيعة الجنجويد، وآليات اشتغالهم، وسياقات الانشقاقات داخلهم. فالخروج من منظومة قائمة على القوة المنفلتة لا يُعدّ في ذاته مكسباً نهائياً، ما لم يكن مصحوباً بقطيعة فكرية وسياسية وأخلاقية مع المشروع الذي كانت تلك المنظومة تمثله.
ومن هذا المنطلق، فإن انسلاخ النور قبة قد يُنظر إليه كنافذة أمل إذا كان تعبيراً عن مراجعة جادة، وإدراك متأخر لخطورة المسار الذي قاد إلى تمزيق النسيج الوطني، وتعميق جراح البلاد. فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى أصوات تعود إلى جادة الدولة، وتنتصر لفكرة الوطن الجامع، لا لسلطة السلاح أو منطق الغلبة.
غير أن التجربة السودانية، بما راكمته من دروس، تدعونا إلى قدرٍ عالٍ من الحذر. فليست كل الانشقاقات مؤشراً على تحولات مبدئية، كما أن كثيراً من التحركات في البيئات المتوترة تُدار بمنطق إعادة التموضع، لا بمنطق المراجعة الفكرية. وعليه، فإن الحكم على هذه الخطوة يجب أن يُبنى على الأفعال اللاحقة، لا على الإعلان ذاته.
فالتحول الحقيقي لا يقاس ببيانات الانفصال، وإنما بمواقف واضحة تجاه ما سبق من ممارسات، وبالاستعداد لتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وبالانخراط الفعلي في مشروع وطني يضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار.
إن الشعب السوداني لم يعد يقبل بالشعارات الفضفاضة، ولا يثق في التحولات الشكلية التي لا تُفضي إلى تغيير جوهري. لذلك فإن استقبال مثل هذه الخطوات يجب أن يكون بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة؛ نمنح الفرصة للمراجعة، لكننا لا نُسقط معايير المساءلة.
وفي ميزان القيم، لا يكفي أن ينسحب المرء من صفٍّ مضطرب، بل الأهم أن يحدد بوضوح إلى أي صفٍّ ينتمي بعد ذلك. فالمسألة ليست في مغادرة الماضي فحسب، وإنما في الإسهام الجاد في بناء المستقبل.
وعليه، فإن انسلاخ النور قبة قد يكون نعمة إذا تحوّل إلى نموذج للمراجعة الصادقة والانحياز للوطن، وقد يكون نغمة إذا ظل مجرد تكتيك ظرفي لا يبدّل من جوهر الأزمة شيئاً.
وفي لحظة تاريخية تتطلب وضوح الرؤية وصدق المواقف، يبقى السودان بحاجة إلى أفعال تصنع التحول، لا إلى أصوات تكتفي بتغيير مواقعها على خارطة الصراع. فالأوطان لا تُبنى بالمناورات، بل بالإرادة الوطنية الصادقة، والالتزام المسؤول، والانحياز الثابت لقيم الدولة والعدالة والسلام.


