مقالات

المعز مجذوب خليفة يكتب : من يخرّب الاقتصاد السوداني؟

حبر من نار

 

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بلا مجاملة ولا خوف:

من الذي يخرّب الاقتصاد السوداني؟

هل هو المواطن الذي يبحث عن لقمة عيشه؟

أم العامل البسيط في التعدين الأهلي؟

أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في شبكات مصالح ونفوذ تعمل في الخفاء، وتستفيد من ضعف الرقابة وتهريب الذهب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية؟

هذه ليست أسئلة للجدل السياسي، بل أسئلة دولة ومال عام ومستقبل وطن.

السودان بلد غني بالذهب، والقطاع أصبح أحد أهم مصادر النقد

الأجنبي. وتشير بيانات حديثة إلى أن السودان أنتج نحو 70 طناً من الذهب في 2025، بينما كانت الصادرات الرسمية أقل بكثير من حجم الإنتاج المعلن؛ وهذه الفجوة وحدها تستحق تحقيقاً اقتصادياً ومؤسسياً واسعاً.

بمعنى آخر، نحن أمام ثروة تُستخرج من باطن الأرض بصورة مستمرة، لكن السؤال المصيري هو:

أين تذهب هذه الثروة بعد خروجها من الأرض؟

إذا كان الإنتاج عشرات الأطنان سنوياً، بينما لا تدخل إلى خزينة الدولة إلا نسبة محدودة عبر القنوات الرسمية، فالمشكلة ليست في الذهب نفسه، وإنما في سلسلة القيمة التي تحيط به: التعدين، والشراء، والتجميع، والتسعير، والنقل، والتصدير، والتحويلات المالية.

وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة:

ليس المطلوب أن نتهم أهل النفوذ جزافاً، وإنما أن نسأل: هل توجد شبكات نفوذ تستطيع الوصول إلى الذهب، أو تسهيل خروجه، أو تعطيل الرقابة عليه؟ ومن يملك القدرة على فعل ذلك دون أن يُحاسب؟

هذه الأسئلة يجب أن تجيب عنها الدولة بالأرقام والوثائق والتحقيقات، لا بالشائعات.

الذهب لا ينبغي أن يكون اقتصاداً موازياً للدولة

التعدين الأهلي ليس عدواً للدولة؛ بل هو قطاع اقتصادي مهم ويوفر مصدر رزق لمئات الآلاف وربما أكثر.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التعدين إلى اقتصاد خارج السيطرة المؤسسية، وعندما يصبح المهرب أكثر قدرة من الدولة على الوصول إلى المنتج، ويصبح السوق غير الرسمي أكثر جاذبية من السوق الرسمي.

وقد وثقت دراسات دولية وجود شبكات تهريب واسعة للذهب السوداني، وأن جزءاً كبيراً من الإنتاج ينتهي خارج القنوات الرسمية. كما أشارت تقارير إلى أن التهريب يمر عبر عدة دول ومسارات إقليمية.

إذن القضية ليست: عامل تعدين ضد الدولة.

القضية هي:

كيف نبني نظاماً يجعل بيع الذهب للدولة أو عبر القنوات الرسمية أكثر فائدة وأماناً وربحية من تهريبه؟

أين تكمن المشكلة تحديداً؟

المشكلة في رأيي تبدأ من أربع حلقات:

أولاً: فجوة الإنتاج والتصدير.

إذا كانت الدولة تعلن إنتاجاً كبيراً ولا يظهر المقابل في الصادرات الرسمية، فلا بد من معرفة أين ذهب الفارق.

ثانياً: تعدد الوسطاء والأسواق غير الرسمية.

كل حلقة غير خاضعة للرقابة تعني فرصة جديدة لتسرب القيمة خارج الاقتصاد الوطني.

ثالثاً: ضعف التتبع المالي.

الذهب ليس مجرد معدن؛ إنه نقد أجنبي. ولذلك يجب أن تكون كل عملية شراء وتصفية ونقل وتصدير قابلة للتتبع والمراجعة.

رابعاً: تضارب المصالح والنفوذ.

وهنا يجب أن تكون الدولة شجاعة: أي شخص، أياً كان موقعه أو نفوذه، تثبت التحقيقات تورطه في التهريب أو حماية شبكاته، يجب أن يخضع للقانون.

لا حصانة في الذهب.

ماذا نريد من الدولة؟

نريد كشفاً سنوياً شفافاً يوضح:

كم أنتج السودان من الذهب؟

كم اشترته الدولة؟

كم دخل إلى المصافي؟

كم صدر رسمياً؟

كم بلغت عائداته؟

وما هي الفجوة بين الإنتاج والتصدير؟

ثم نريد نظاماً إلكترونياً لتتبع الذهب من موقع التعدين حتى نقطة التصدير، مع ربط عمليات الشراء بالمصارف والجهات الرقابية.

ونريد كذلك مراجعة شاملة لرخص التعدين والشركات والوسطاء ومراكز الشراء، مع إعلان المستفيد الحقيقي من الشركات التي تعمل في القطاع وفق القانون.

والأهم:

فتح ملفات التهريب الكبرى، لا مطاردة العامل الصغير وترك الشبكة الكبيرة.

المعركة الحقيقية ليست مع الذهب… بل مع منظومة التسرب

السودان لا يحتاج إلى اكتشاف ذهب جديد حتى يصبح أغنى.

السودان يحتاج إلى أن يعرف أين يذهب الذهب الذي ينتجه بالفعل.

فالثروة التي تخرج من الأرض ولا تدخل الدورة الاقتصادية الرسمية تتحول من نعمة وطنية إلى فرصة لتمويل اقتصاد موازٍ.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من:

“من أين نأتي بالمال؟”

إلى:

“لماذا لا تصل أموال ثرواتنا التي ننتجها بالفعل إلى الاقتصاد الوطني؟”

هذه هي المعركة.

معركة الدولة مع التهريب، ومع تضارب المصالح، ومع ضعف الرقابة، ومع اقتصاد الظل.

وإذا كانت الدولة جادة في إنقاذ الاقتصاد السوداني، فإن الذهب يجب أن يكون نقطة البداية.

لأن السودان قد لا تكون مشكلته أنه فقير…

بل أن ثروته الغنية لا تمر كلها عبر دولة قوية قادرة على حمايتها وتحويلها إلى تنمية وخدمات وقيمة حقيقية للمواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى