مقالات

توفيق البدري عكاشة يكتب : الجيش السوداني: عقيدة الامانة واستراتيجية الإطباق

كاتب صحفي ورئيس تحرير

 

فجر 15 أبريل 2023 لم يكن انقلاباً ولا معركة.. كان سيناريو غدر مكتمل.
المعادلة على الورق : كانت قوات الدعم السريع داخل الخرطوم ، أكثر من 120 ألف، منتشرة داخل القيادة العامة، مطار الخرطوم، القصر، الإذاعة، ومعسكرات طيبة والمدينة الرياضية.. وداخل أحيائنا في بيت المال والعباسية والموردة بثياب مدنية، سكنوا بيننا أشهراً.
وكان الجيش فرق مشتتة في الولايات، وقيادة محاصرة بلا إمداد.

تقدير كل المخابرات في العالم ذهبت إلى ان الجيش السوداني انتهى في 72 ساعة.
لكن الذي حدث هو العكس.. بعد عامين، الميزان رجح بالكامل للجيش. كيف؟ هذه هي القصة بلا إنشاء.

احتلال البيوت لا الجبهات

الفرق بين حرب المدن وحرب المليشيا أن المليشيا لا تحتل الأرض، بل تحتل البيت.

فما فعله الدعم السريع هو احتلال أعيان المدنيين ، حولوا مستشفى الدايات ومستشفى أم درمان لغرف عمليات، ومصنع الشفاء ومصانع بحري لمخازن مسروقات.
2.
اتو بفكرة قتالية جديدة.. انهب بيت المواطن، فك المكيف، شيل التلاجة، بيع الدهب.. المقاتل يمول نفسه بنفسه.
3. المواطن درع وغنيمة: لذلك كان مستحيلاً على سلاح الجو أن يضرب.. لأن الضربة كانت ستقتل أهل بيت المال.

هذا السيناريو هو الذي أخر النصر، وهو الذي صنع النصر الأخلاقي.

الفصل الثاني: الأركان الأربعة لرجحان الميزان

عقيدة صيانة الأرواح لا إزهاقها

الجيش السوداني لم يتأخر لأنه ضعيف، تأخر لأنه مقيد بعقيدته.
عقيدته مستمدة من وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة: “لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً.. ولا تقطعوا شجرة ولا تهدموا بيتاً.”

لذلك اخترع البرهان مصطلح “الحفر بالإبرة”. لا يمكن تحرير بيت المال بالمدفعية.. يجب تحريره بيتاً بيتاً، شارعاً شارعاً، حتى لو كلف ذلك 18 شهراً من الحصار.

المليشيا قاتلت بعقيدة الغنيمة: من يصل أولاً ينهب.
الجيش قاتل بعقيدة الأمانة: من يصل أولاً يؤمن.

والمواطن رأى الفرق: قالها رجل من بيت المال: “الجيش لقى تلاجتنا فاضية ما شالها.. الدعامة لقوها مليانة شالوها”. هذه الجملة وحدها رجحت الميزان الشعبي.

المؤسسة ضد التنظيم

الجيش مؤسسة عمرها 101 عام (تأسس 1925 كقوة دفاع السودان). له ذاكرة، له أرشيف، له مدارس.

الدعم السريع تنظيم غنيمة عمره 10 سنوات، يربطه شخص لا فكرة.

المؤسسة تقاتل بلا راتب 18 شهراً ولا تنهار.. تنظيم الغنيمة ينهار عندما ينقطع النهب. عندما حرر الجيش مصفاة الجيلي وقطع طريق النهب إلى دارفور، انفرط العقد.. بدأ المقاتل يهرب بسيارته المنهوبة.

الاستراتيجية – من الصمود إلى الإطباق

لم يكن تحرير الخرطوم اقتحاماً، كان إطباقاً مدروساً على ثلاث مراحل:

مرحلة الصمود (أبريل 2023 – فبراير 2024) : صمود القيادة العامة والإشارة والمدرعات والمهندسين. صمود القيادة 18 شهراً هو الأطول في تاريخ أفريقيا الحديث.. وهو الذي كسر نظرية الساعات الـ72.
مرحلة قطع الشرايين (مارس – سبتمبر 2024) : تحرير أم درمان والصالحة.. قطع الإمداد من ليبيا وتشاد.
مرحلة التقاء الجيوش (أكتوبر 2024 – مارس 2025) : جيش دنقلا من الشمال، جيش نهر النيل من الشرق، جيش القضارف والمناقل من الجنوب.. كلها التقت في الخرطوم. ليس جيشاً واحداً هاجم، بل خمسة جيوش أطبقت.

الحاضنة – فرن أبو متر

ظهر الجيش لم يكن القيادة.. كان ظهره فرن أم متر في بيت المال الذي كان بخبز مواطن صابر ومحتسب ، وأمام مسجد شيخ النور و مؤذنه الذي الهب الدعامة ظهره بالسياط بدعوة حاضرة عند دبر كل صلاة بالنصر للجنود المحاصرين في سلاح المهندسين، وست الشاي التي تدس المعلومة، والمراكبي الذي ينقل السلاح.

وظهر المليشيا كان مكشوفاً.. لا حاضنة له في الخرطوم.

شهادات التاريخ – من كرري إلى الكفرة

هنا يرسخ الميزان تاريخياً.. هذه ليست أول مرة يقال فيها الجيش السوداني انتهى ثم يرجح ميزانه.

* شهادة وينستون تشرشل في كرري 2 سبتمبر 1898:

تشرشل لم يكن مؤرخاً، كان ملازماً في سلاح الفرسان الـ21، قاتل السودانيين وجهاً لوجه بمسدس الماوزر.

كتب في كتابه “حرب النهر The River War” بعد أن رأى 11 ألف شهيد سوداني أمام مدافع المكسيم :
( لم يكن هناك مجد في موت الدراويش.. ومع ذلك كان هؤلاء أشجع رجال مشوا على وجه الأرض على الإطلاق.. تم تدميرهم بالآلة، ولم يتم قهرهم بالشجاعة).

وقال أيضاً.:
( رجالنا كانوا ممتازين، لكن الدراويش كانوا فوق الممتاز.. كان أكبر وأفضل وأشجع جيش قاتلنا على الإطلاق.)

حتى العدو انحنى. فكيف لا يصمد حفيده في القيادة العامة؟

*شهادة الحرب العالمية الثانية – “أقدام ورأي مؤمن”:

لم تنته شجاعة كرري في كرري.
في الحرب العالمية الثانية، عندما هربت الجيوش، كانت قوة دفاع السودان SDF هي رأس حربة بريطانيا في أفريقيا.

* معركة الكفرة – ليبيا 1941 : سارت قوة سودانية 1500 كلم عبر الصحراء الكبرى بلا خريطة، واحتلت واحة الكفرة من الطليان.. عملية قال عنها الإنجليز مستحيلة عسكرياً.
* معركة كرن وأغوردات – إريتريا : 4500 جندي سوداني هزموا 100 ألف جندي إيطالي في جبال كرن الحصينة، وفتحوا الطريق لتحرير إثيوبيا.
– ووثق الإنجليز أنفسهم : ” السودان هو الدولة الوحيدة جنوب الصحراء التي خرجت من الاستعمار بجيش وطني حقيقي.”

وكان الضباط الإنجليز، ومنهم أورد ونجت مؤسس القوات الخاصة، وويلفريد ثيسيجر مستكشف الصحراء، يتسابقون للخدمة في السودان لأن الجندي السوداني يمنح ضابطه *”استقلال القيادة” Independence of command*.. لا يحتاج من يحرسه، يحتاج فقط “أقدام تسير ورأي مؤمن”.

من قاتل بالسيف أمام المكسيم في كرري، قاتل باللوري في صحراء الكفرة بنفس الإقدام ونفس الرأي المؤمن.

لماذا رجح الميزان ؟

رجح الميزان لأن المليشيا قاتلت لتأخذ بيتاً، والجيش قاتل ليصون بيتاً.

ومن يقاتل ليصون.. يصبر 18 شهراً في القيادة، ويحفر بالإبرة في بيت المال، ويموت واقفاً في كرري، ويمشي 1500 كلم في صحراء الكفرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى