
في إدارة الدول، قد يبدو تغيير الهياكل الحكومية قراراً إدارياً عادياً، لكنه في بعض الأحيان يمس جوهر صناعة القرار.
ومن هنا تأتي أهمية الجدل حول تبعية التخطيط التنموي، وما إذا كان نقل هذه الوظائف من وزارة المالية إلى مجلس الوزراء يمكن أن يؤدي إلى فصل التخطيط عن إدارة المال العام.
فوزارة المالية ليست مجرد خزينة للدولة أو جهة لصرف الالتزامات. جوهر دورها أن تربط الموارد بالموازنة، والموازنة بالأولويات، والأولويات بخطط التنمية.
وهنا يبرز السؤال:
إذا أصبح التخطيط في جهة، والموارد والإنفاق في جهة أخرى، فمن يملك القرار الاقتصادي النهائي؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟
التخطيط والمال… وجهان لقرار واحد
من الطبيعي أن يكون لمجلس الوزراء دور أساسي في وضع السياسات والاستراتيجيات العامة للدولة، لكن ذلك لا ينبغي أن يعني انفصال التخطيط الاقتصادي والمالي عن وزارة المالية.
فالخطة التنموية تحتاج إلى موارد، والموازنة تحتاج إلى أولويات، والإنفاق العام يجب أن يكون مرتبطاً بأهداف واضحة.
لذلك فإن القضية ليست في الجهة التي تحمل اسم «التخطيط»، وإنما في مدى التكامل بين التخطيط والتمويل والتنفيذ والرقابة.
إذا غابت هذه الحلقة المتكاملة، فقد تصبح لدينا خطط جيدة على الورق، لكن دون موارد كافية لتنفيذها، أو موازنات يتم إعدادها بعيداً عن رؤية تنموية واضحة.
وماذا عن ارتفاع سعر الصرف؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يمكن تحميل رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وحده مسؤولية تراجع سعر الصرف، كما لا يمكن تحميل وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم وحده مسؤولية كل الاختلالات الاقتصادية.
سعر الصرف يتأثر بعوامل عديدة، من بينها الإنتاج والصادرات والواردات، وتوافر النقد الأجنبي، والسياسة النقدية، والإنفاق العام، والظروف التي فرضتها الحرب.
لكن السؤال الذي يحق للمواطن طرحه هو:
هل تمتلك الحكومة منظومة اقتصادية متماسكة تستطيع التعامل مع هذه العوامل مجتمعة؟
وهنا تقع مسؤولية القيادة الحكومية في تنسيق السياسات وتحديد الاختصاصات، حتى لا تتوزع المسؤولية بين مؤسسات متعددة بينما يدفع المواطن وحده ثمن النتائج.
هل تتحول وزارة المالية إلى «صراف»؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية.
إذا أصبحت وزارة المالية مسؤولة عن المال والموازنة والإنفاق، بينما انتقلت أدوات التخطيط التنموي إلى جهة أخرى، فيجب أن تكون العلاقة بين المؤسستين واضحة تماماً.
من يضع الأولويات؟
من يحدد الموارد؟
من يربط الخطة بالموازنة؟
ومن يتحمل المسؤولية عند عدم تحقيق الأهداف؟
فلا يمكن فصل الصلاحية عن المسؤولية.
ومن غير المنطقي أن تُحاسب مؤسسة على نتائج لا تملك الأدوات الكافية لصناعتها.
السودان يحتاج إلى وضوح اقتصادي
السودان يمر بمرحلة استثنائية، والحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالإنتاج والبنية الاقتصادية، بينما يواجه المواطن ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة وتراجع قيمة العملة.
ولهذا فإن البلاد تحتاج إلى منظومة اقتصادية واحدة واضحة، تتكامل فيها:
التخطيط → الموازنة → الموارد → التنفيذ → الرقابة → المحاسبة.
ولا يعني ذلك أن تكون كل هذه الوظائف داخل وزارة واحدة بالضرورة، وإنما أن تكون مرتبطة ضمن رؤية واحدة، ومسؤوليات محددة، وآليات واضحة للمساءلة.
كلمة أخيرة
يا دولة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس…
السؤال المطروح ليس اتهاماً لشخص، وإنما سؤال دولة:
هل نقل التخطيط التنموي من وزارة المالية إلى مجلس الوزراء سيجعل التخطيط أكثر كفاءة وتنسيقاً، أم سيخلق مسافة بين من يخطط ومن يملك المال؟
وإذا كان الهدف هو توحيد الرؤية الاقتصادية للدولة، فليكن ذلك واضحاً للرأي العام.
أما وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، فمن حقه أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من إدارة مسؤوليته، ومن حق المواطن في المقابل أن يعرف بوضوح:
من يخطط؟ من يمول؟ من ينفذ؟ ومن يُحاسب؟
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى وزارة مالية تؤدي دور «الصراف» فقط.
السودان يحتاج إلى منظومة اقتصادية متماسكة، يكون فيها التخطيط والمال والتنفيذ والمحاسبة جزءاً من مشروع وطني واحد.
ويبقى السؤال:
من يملك مفاتيح الاقتصاد السوداني؟



