المعز مجذوب يكتب : جبريل إبراهيم.. بين ضجيج الحملات وضرورة قراءة المشهد بعين الدولة
حبر من نار

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تكون مسؤولية الدولة محصورة في إدارة الملفات اليومية، بل تمتد إلى المحافظة على الحد الأدنى من تماسك مؤسساتها وقدرتها على الاستمرار. ومن هنا، فإن تقييم أداء أي مسؤول اقتصادي في السودان خلال سنوات الحرب لا يمكن أن يُبنى على مؤشر واحد، ولا على حملة إعلامية عابرة، وإنما يحتاج إلى قراءة أوسع للظروف التي عمل فيها، والموارد التي كانت متاحة أمامه، والنتائج التي تحققت فعلياً.
الدكتور جبريل إبراهيم محمد فضيل، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، يقف اليوم في قلب هذا الجدل. وبينما تتصاعد الانتقادات الموجهة إليه، فإن الإنصاف يقتضي كذلك النظر إلى ما أعلنته وزارة المالية من سياسات وإجراءات خلال الفترة الماضية، وإلى طبيعة الظروف الاقتصادية التي واجهتها الدولة.
فوزارة المالية أعلنت في أغسطس 2026 عن ارتفاع الإيرادات العامة خلال النصف الأول من العام، وربطت ذلك بتوسيع التحصيل الإلكتروني، وتطبيق الفاتورة الإلكترونية، وتشديد الرقابة على الإعفاءات الجمركية والضريبية، مع التأكيد على أن هذه الإجراءات لم تتضمن زيادة في فئات الضرائب.
وزارة المالية و التخطيط الاقتصادي
كما أعلنت الوزارة عن توجيه الإنفاق إلى ملفات متعددة، من بينها دعم القطاعات الخدمية والإنتاجية، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم الموسم الزراعي، وتهيئة ظروف عودة النازحين واللاجئين.
وزارة المالية و التخطيط الاقتصادي
وهنا تحديداً ينبغي أن نتوقف.
هل كل ما تحقق يُنسب إلى وزير المالية وحده؟ بالتأكيد لا.
فالاقتصاد منظومة متشابكة، تشترك فيها الحكومة والبنك المركزي والوزارات والمؤسسات الإنتاجية والولايات والقطاع الخاص، فضلاً عن تأثير الحرب والأسواق الخارجية.
لكن في المقابل، هل من الإنصاف اختزال أداء وزارة المالية كلها في ارتفاع سعر الدولار والغلاء؟ أيضاً لا.
فالوزير نفسه تحدث في سبتمبر الجاري عن الضغوط التي يتعرض لها الجنيه، وربط جانباً منها بارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات، إلى جانب تأثير ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتطورات الإقليمية. كما أكد أن الحكومة تعتمد على شراء الذهب وتصديره للحصول على العملات الأجنبية، وليس شراء الدولار من السوق الموازية.
سودان تربيون
والواقع أن الحرب خلقت اقتصاداً استثنائياً بكل معنى الكلمة؛ فقد تعطلت قطاعات إنتاجية واسعة، واضطربت التجارة وسلاسل الإمداد، وتراجعت قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي. وهذه ليست مرافعة عن أي مسؤول، وإنما حقيقة ينبغي أن تدخل في أي تقييم موضوعي.
الحدث
النقد حق.. لكن المحاكمة يجب أن تكون بالأرقام
من حق المواطن السوداني أن يسأل:
أين ذهبت الإيرادات؟
كيف أُدير المال العام؟
لماذا ارتفعت الأسعار؟
ماذا حدث للجنيه؟
وما حجم الأموال التي دخلت خزينة الدولة؟
وما الذي تحقق في الخدمات والتنمية؟
هذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية.
لكن الإجابة عليها ينبغي أن تكون بالبيانات والتقارير والمؤشرات، لا بالتخوين ولا بالتشهير ولا بتحويل الخلاف السياسي إلى معركة شخصية.
فالذهب، على سبيل المثال، أصبح أحد أهم مفاتيح الاقتصاد السوداني، لكن الفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي ما زالت تمثل تحدياً كبيراً، مع تقديرات وتقارير تشير إلى خسائر ضخمة بسبب خروج الذهب بعيداً عن القنوات الرسمية.
Dabanga Radio TV Online +١
وهذا الملف وحده يكفي لنعرف أن الأزمة الاقتصادية السودانية أكبر من شخص وزير، وأن معالجة الاختلالات تحتاج إلى منظومة كاملة من السياسات والرقابة والإنتاج والتصدير وإدارة النقد الأجنبي.
جبريل أمام اختبار التاريخ
في ديسمبر 2025، أقرت الحكومة موازنة طوارئ لعام 2026 قدمها وزير المالية، وكانت تستهدف إصلاح المالية العامة وترتيب أولويات الإنفاق، مع أهداف معلنة للنمو وخفض التضخم، إضافة إلى تمويل الخدمات والولايات وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة ودعم التعليم والصناعة والضمان الاجتماعي.
وزارة المالية و التخطيط الاقتصادي
وفي أغسطس 2026، عرض وزير المالية أمام مجلس الوزراء تقريراً عن الوضع الاقتصادي، تحدث عن محدودية الإيرادات وتعاظم المصروفات في ظل الحرب، مع استمرار الوفاء بعدد من الالتزامات تجاه العاملين والولايات والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
الحكومة السودانية
هذه وقائع قابلة للنقاش والتدقيق، لكنها تؤكد أن الصورة ليست سوداء بالكامل ولا بيضاء بالكامل.
ومن هنا تأتي أهمية العبارة السودانية العميقة:
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
الشكر هنا لا يعني إعفاء المسؤول من المساءلة، كما أن النقد لا يعني إنكار ما تحقق.
قد نختلف مع جبريل إبراهيم في بعض السياسات، وقد نطالب بالمزيد من الشفافية، وقد نختلف حول أولويات الإنفاق أو إدارة الموارد، لكن ذلك كله ينبغي ألا يمنع الاعتراف بما يمكن إثباته من أعمال وإجراءات، كما ينبغي ألا يمنع المطالبة بالمزيد.
الوطن أكبر من الأشخاص
السودان اليوم لا يحتمل أن يتحول النقاش الاقتصادي إلى تصفية حسابات.
الدولة تحتاج إلى النقد، لكنها تحتاج أيضاً إلى الإنصاف.
وتحتاج إلى المحاسبة، لكنها تحتاج كذلك إلى الاعتراف بالجهد.
وتحتاج إلى وزراء ومسؤولين يخضعون للمساءلة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مؤسسات قوية، وبيانات شفافة، وأرقام معلنة، وآليات رقابة حقيقية.
أما تحويل كل أزمة اقتصادية إلى مسؤول واحد، أو تحويل كل مسؤول إلى بطل لا يُنتقد، فكلاهما يبتعد عن القراءة الاستراتيجية التي يحتاجها السودان.
جبريل إبراهيم سيظل مسؤولاً عن سياسات وقرارات يمكن تقييمها بالأرقام والنتائج، والتاريخ وحده سيضع كل تجربة في موضعها.
لكن في هذه اللحظة، وبينما تواجه الدولة السودانية ظروفاً اقتصادية وأمنية وإنسانية شديدة التعقيد، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول:
النقد حق، والمساءلة واجب، والشكر فضيلة، والفيصل في النهاية هو أداء الدولة ونتائج سياساتها على حياة المواطن السوداني.
فلا نريد إعلاماً يصفق بلا حساب، ولا إعلاماً يهدم بلا دليل.
نريد صحافة تقول الحقيقة كاملة؛
تنتقد حين يكون النقد واجباً،
وتشكر حين يكون الشكر مستحقاً،
وتضع مصلحة السودان فوق الأشخاص والأسماء



