المعز مجذوب خليفة يكتب : هل انتهت الحرب حتى يبدأ الحوار؟

سؤال إلى السيد رئيس مجلس السيادة عن السودان… وعن كردفان التي ما زالت تنزف
المعزمجذوب خليفه
السيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن،
نضع أمامكم اليوم سؤالاً وطنياً صريحاً، لا نريد منه تعطيل الحوار، ولا إغلاق أبواب السلام، وإنما نريد أن نضع حقوق الشعب السوداني ودماء ضحايا الحرب في المكان الذي تستحقه.
هل انتهت الحرب في السودان تماماً؟
وهل انتهت معها آثارها وتداعياتها؟
هل تم حصر الشهداء والجرحى والمفقودين؟
هل عُرفت مصائر المفقودين؟
هل أُحصيت الأسر التي فقدت عائليها؟
هل جرى حصر الممتلكات والمنازل والمزارع والمنشآت التي دمرتها الحرب؟
هل بدأت الدولة فعلياً في تعويض المتضررين وجبر الضرر؟
وهل حصلت أسر الضحايا على حقوقها كاملة؟
إذا كانت الإجابة عن كل ذلك لم تكتمل بعد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
كيف ننتقل إلى حوار سياسي قبل أن نعالج آثار الحرب؟
والأهم من ذلك:
كيف نتحدث عن انتهاء الحرب بينما لا تزال كردفان تنزف؟
كردفان ليست هامشاً في معادلة السودان، وليست رقماً عابراً في خريطة الحرب.
كردفان قلب السودان النابض، وأهلها دفعوا ثمناً باهظاً من دمائهم وأمنهم واستقرارهم، وما زالت مناطق منها تعيش تحت وطأة العمليات العسكرية والنزوح والخوف.
وقد استمرت خلال عام 2026 أعمال العنف في إقليم كردفان، بما في ذلك جنوب كردفان وشمال كردفان، مع سقوط مدنيين وتضرر البنية المدنية والخدمات.
فكيف نقول إن الحرب انتهت، وهناك مواطن في كردفان لا يزال يسأل:
متى ينتهي الخوف؟
وكيف يعود النازح إلى منزله؟
ومتى يأمن المواطن على أسرته؟
ومتى تعود الأسواق والمدارس والمستشفيات إلى طبيعتها؟
ومتى تُعالج آثار الحرب التي ضربت إنسان كردفان وأرضها؟
كردفان تستحق أن تكون في صدر الحوار، لا على هامشه.
جنوب كردفان، وشمال كردفان، وغرب كردفان، ليست مجرد مساحات جغرافية.
إنها أقاليم دفعت من أبنائها في هذه الحرب، وقدمت من التضحيات ما يجعل من حق أهلها أن يسألوا:
أين نحن من مستقبل السودان؟
وأين حقوق أهل كردفان في أي حوار سياسي قادم؟
وأين ملف الضحايا والمتضررين؟
وأين إعادة الإعمار؟
وأين معالجة النزوح؟
وأين تعويض الأسر التي فقدت أبناءها وممتلكاتها ومصادر رزقها؟
هذه الأسئلة لا يجوز أن تُؤجل إلى ما بعد الحوار.
بل يجب أن تكون جزءاً من أجندة الحوار نفسه.
نحن مع الحوار، ومع السلام، ومع كل خطوة تقود إلى استقرار السودان ووحدة شعبه وسلامة أرضه.
لكننا لا نريد حواراً يكون مدخلاً إلى تجاوز ملفات الضحايا أو القفز فوق جراح الوطن.
لا نريد أن يتحول الحوار إلى طاولة لتقاسم السلطة، بينما المواطن في كردفان وغيرها لا يزال يبحث عن الأمان والخبز والدواء والمأوى.
نريد حواراً يسأل أولاً:
كيف نعيد بناء السودان؟
كيف نحفظ وحدة الدولة؟
كيف نمنع تكرار الحرب؟
كيف ننصف الضحايا؟
كيف نعوض المتضررين؟
كيف نعيد النازحين إلى ديارهم؟
كيف نضمن أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها؟
وكيف نضع أساساً لدولة لا يكون فيها حمل السلاح طريقاً إلى السلطة؟
إلى الأستاذ نبيل أديب
إذا كان الحوار المرتقب سيُبنى على مسار وطني جامع، فإن المطلوب ألا يكون مجرد حوار بين القوى السياسية.
نريد أن يكون حواراً مع السودان نفسه؛ مع أسر الشهداء، والجرحى، والمفقودين، والنازحين، والمتضررين، ومع أهل كردفان ودارفور والنيل الأزرق وكل مناطق السودان التي اكتوت بنار الحرب.
فالعدالة ليست خصماً للسلام.
وجبر الضرر ليس عقبة أمام المصالحة.
والمحاسبة وفق القانون ليست انتقاماً.
بل إن معالجة آثار الحرب والعدالة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار هي من الأسس التي تساعد على كسر دائرة العنف وبناء سلام مستدام.
السيد رئيس مجلس السيادة،
إن التاريخ سيحاسب الجميع على هذه المرحلة.
وسيأتي يوم يسأل فيه السودانيون:
ماذا فعلتم من أجل الذين دفعوا ثمن الحرب؟
هل أنصفتموهم؟
هل عوضتموهم؟
هل حفظتم حقوقهم؟
هل أعدتم النازحين إلى ديارهم؟
هل أعدتم إعمار ما دمرته الحرب؟
وهل جعلتم من هذه الحرب آخر حروب السودان؟
أم انتقلنا من الحرب إلى التسوية، ومن التسوية إلى أزمة جديدة؟
نحن لا نريد للسودان أن يدور في هذه الحلقة.
نريد أن تكون هذه الحرب آخر حروب السودان.
نريد دولة لا يُكافأ فيها من يحمل السلاح، ولا يُهمش فيها من دفع ثمن الحرب.
نريد دولة تكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وسيادة القانون فوق الجميع، ومؤسسات الدولة فوق المصالح الحزبية والقبلية والمناطقية.
ونريد لكردفان، التي ظلت تدفع من أبنائها وأمنها واستقرارها، أن تكون حاضرة بقوة في صناعة مستقبل السودان، لا مجرد منطقة يُستدعى اسمها عندما تدعو الحاجة إلى الرجال والتضحيات.
وهنا نعود إلى السؤال الأول:
هل انتهت الحرب في السودان حتى يبدأ الحوار؟
إذا كانت الحرب قد انتهت عسكرياً في بعض المناطق، فهذا أمر نرحب به.
لكن هل انتهت في كردفان؟
هل انتهت إنسانياً؟
هل انتهت اجتماعياً؟
هل انتهت اقتصادياً؟
هل انتهت في نفوس أمهات فقدن أبناءهن؟
هل انتهت في قلوب أسر لا تزال تنتظر مفقوديها؟
وهل انتهت في حياة الجريح الذي سيحمل أثرها إلى نهاية عمره؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يجب أن تحدد الطريق.
إذا كان الحوار من أجل إنصاف الشعب وبناء دولة قوية ومستقرة، فنحن معه.
أما إذا كان من أجل إغلاق ملفات الحرب دون عدالة، أو إعادة تدوير الأزمة بأسماء جديدة، أو توزيع السلطة بعيداً عن حقوق الضحايا، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل.
لأن السودان لا يحتمل أن تُكتب التسوية السياسية فوق دماء أبنائه.
ولا يحتمل أن تصبح معاناة الشعب مجرد مقدمة لصفقة سياسية.
ولا يحتمل أن يدفع المواطن ثمن الحرب، ثم يدفع مرة أخرى ثمن السلام.
كلمة أخيرة
السيد رئيس مجلس السيادة،
افتحوا ملف الضحايا قبل أن تفتحوا ملف تقاسم السلطة.
أنصفوا أسر الشهداء قبل أن تتحدثوا عن المصالحة.
اكشفوا مصير المفقودين قبل أن تطلبوا من الناس طي صفحة الماضي.
أنصفوا الجرحى والمتضررين قبل أن تقولوا إن آثار الحرب قد انتهت.
وأعطوا كردفان حقها في الحضور وصناعة القرار؛ فهي ليست هامشاً ولا رقماً في معادلة السودان.
وابنوا دولة القانون قبل أن تبحثوا عن أي تسوية سياسية.
فالسودان لا يحتاج إلى حوار يعيد إنتاج الماضي، وإنما يحتاج إلى حوار يصنع المستقبل.
ولا يحتاج إلى سلام هش يخفي الجراح، وإنما إلى سلام عادل يداويها.
ولا يحتاج إلى مصالحة تقوم على النسيان، وإنما إلى مصالحة تقوم على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
وفي النهاية…
سيظل السؤال قائماً أمام رئيس مجلس السيادة، وأمام كل من يحمل مسؤولية القرار:
هل انتهت الحرب فعلاً حتى يبدأ الحوار؟
فإن كان الجواب نعم، فليكن الحوار حوار دولة لا حوار سلطة.
وإن كان الجواب لا، فلنبدأ أولاً بإغلاق ملفات الحرب، وإنصاف ضحاياها، وجبر ضرر المتضررين، وتأمين كردفان وكل مناطق السودان المتأثرة، ثم نمضي إلى حوار يؤسس لسودان جديد.
فالشعب السوداني دفع ثمن الحرب بالدم والدموع والنزوح والفقدان…
وكردفان دفعت من أبنائها وأمنها واستقرارها ثمناً لا يجوز أن يُنسى.
فلا تجعلوا دماء السودان جسراً إلى السلطة، ولا تجعلوا السلام ستاراً للنسيان.
أنصفوا الضحايا أولاً… ثم افتحوا أبواب الحوار.



