الاقتصادي

بنكك يتعطل… فمن يعطل أموال المواطن؟

 

فجر السودان : المعز مجذوب خليفة

هناك أسئلة لا يجوز أن تموت بين زحام البيانات والاعتذارات.
وهناك معاناة للمواطن لا يجوز أن تتحول إلى أمرٍ طبيعي نعتاد عليه كل يوم.
ومن هنا، فإن السؤال اليوم ليس عن تطبيق إلكتروني اسمه «بنكك» فحسب، وإنما عن حق المواطن السوداني في الوصول إلى ماله، وفي الحصول على خدمة مصرفية مستقرة وآمنة وموثوقة.
فماذا يحدث؟
المواطن يفتح هاتفه…
يحاول الدخول إلى حسابه…
يحاول تحويل مبلغ لأسرته…
يحاول دفع قيمة دواء…
أو شراء احتياجات منزله…
ثم يفاجأ بأن الخدمة متوقفة أو متذبذبة.
يكرر المحاولة مرة، ومرتين، وعشر مرات…
ولا يجد أمامه إلا الانتظار.
وبنك الخرطوم نفسه أعلن في الأول من سبتمبر اعتذاره للعملاء عن تذبذب خدمة «بنكك» لدى بعض المستخدمين، وقال إن فرقه الفنية تعمل على معالجة تحديات تقنية وتطوير الخدمة.
نحن نحترم الاعتذار.
ونحترم العاملين والفنيين الذين يعملون على إصلاح الأعطال.
لكننا نسأل بصراحة:
إلى متى يظل المواطن هو الحلقة الأضعف؟
المشكلة لم تعد بسيطة.
«بنكك» أصبح جزءًا من الحياة الاقتصادية اليومية للسودانيين، والبنك نفسه يقدمه كخدمة مصرفية تتيح للعملاء إجراء معاملاتهم المالية عبر الهاتف.
ومع شح السيولة النقدية، أصبح اعتماد قطاعات واسعة من المواطنين والتجار على التطبيقات المصرفية أكبر، ولذلك فإن تعطلها لا يعني تعطل تطبيق فقط، وإنما قد يعني تعطل البيع والشراء وتحويل الأموال وسداد الالتزامات.
وقد تحدثت تقارير حديثة عن اضطراب تطبيقات مصرفية عدة، بينها «بنكك»، وتأثر معاملات مالية وحركة البيع والشراء نتيجة ذلك.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل المشكلة في بنك الخرطوم وحده؟
إذا كانت المشكلة فنية داخلية، فمن حق المواطن أن يعرف:
ما طبيعة هذه المشكلة؟
ولماذا تتكرر؟
وما حجم تأثيرها؟
ومتى تنتهي؟
وما الضمانات التي تمنع تكرارها؟
أما إذا كانت المشكلة مرتبطة بالبنية المصرفية الإلكترونية بصورة أوسع، فهنا يأتي دور بنك السودان المركزي.
والسؤال المباشر:
أين الرقابة المصرفية على استقرار الخدمات الإلكترونية؟
هل يتابع بنك السودان المركزي بصورة يومية أداء الأنظمة المصرفية الرقمية التي أصبحت شريانًا أساسيًا للاقتصاد؟
هل توجد معايير محددة لاستمرارية الخدمة؟
هل توجد مؤشرات أداء ومدة قصوى مسموح بها للتوقف؟
وهل توجد آلية واضحة لمحاسبة أي مؤسسة مصرفية إذا تكررت الأعطال وألحقت الضرر بالمواطنين؟
لا أقول إن بنك الخرطوم خارج سيطرة بنك السودان المركزي.
ولا أملك دليلًا يقول ذلك.
لكن تكرار الأعطال يجعل السؤال مشروعًا، ويجعل الإجابة الرسمية واجبًا.
فالرقابة لا تكون فقط عندما يطلب المواطن فتح حساب أو تحديث بياناته.
بنك السودان المركزي أعلن بالفعل أنه يتابع القطاع المصرفي، ووجّه المصارف إلى تحديث بيانات العملاء ضمن متطلبات رقابية وتنظيمية، كما أكد أهمية حماية حقوق العملاء وسلاسة حصولهم على الخدمات المصرفية.
إذن:
إذا كانت حقوق العملاء محل اهتمام رقابي، فإن حق المواطن في الوصول إلى أمواله عندما يحتاجها يجب أن يكون في مقدمة هذه الحقوق.
بنكك ليس تطبيقًا… بنكك حياة الناس
هذه هي الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع.
عندما يتعطل «بنكك»، هناك أب يريد تحويل مصروف لأسرته.
هناك مريض يحتاج إلى دواء.
هناك تاجر يريد استلام قيمة بضاعته.
هناك أسرة تنتظر تحويلًا من أحد أبنائها.
هناك موظف يريد سداد التزام.
وهناك مواطن لا يملك في جيبه نقدًا كافيًا، وكل ما يملكه موجود في حسابه المصرفي.
فماذا نقول له؟
انتظر حتى تعود الخدمة؟
وإذا كان الأمر يتكرر، فكم مرة مطلوب من المواطن أن ينتظر؟
نريد شفافية… لا اعتذارات فقط
نحن لا نطالب بإدانة بنك الخرطوم.
ولا نطالب بتشويه صورة الجهاز المصرفي.
بل نطالب بشيء واحد:
الشفافية.
نريد من بنك الخرطوم أن يقول للمواطن بوضوح:
ما الذي حدث؟
ما سبب الخلل؟
هل المشكلة في الخوادم؟
أم في الشبكات؟
أم في ضغط الاستخدام؟
أم في التحديثات؟
أم في الربط بين الأنظمة؟
وما هي الإجراءات التي اتخذت لمنع تكرار المشكلة؟
وفي المقابل نريد من بنك السودان المركزي أن يقول:
هل هذه الأعطال ضمن حدود مقبولة رقابيًا؟
هل تمت مساءلة البنك؟
هل توجد معايير وطنية لاستمرارية الخدمات المصرفية الرقمية؟
وهل هناك بدائل حقيقية في حال تعطل أحد التطبيقات المصرفية الرئيسية؟
المواطن السوداني لا يريد معجزة
المواطن يريد فقط أن يعرف أن ماله آمن.
وأنه يستطيع الوصول إليه عندما يحتاج إليه.
وأن النظام المصرفي الذي وثق به لن يتركه واقفًا أمام شاشة هاتفه عاجزًا عن استخدام أمواله.
لقد تحمل المواطن السوداني الحرب.
وتحمل النزوح.
وتحمل الغلاء.
وتحمل انهيار الخدمات.
وتحمل شح السيولة.
فلا تجعلوا عليه فوق كل ذلك معاناة البحث عن أمواله داخل تطبيق متوقف.
والسؤال الذي نضعه أمام بنك السودان المركزي وبنك الخرطوم:
إذا كان «بنكك» هو أحد أهم شرايين التعامل المالي للمواطن السوداني اليوم، فمن المسؤول عندما يتوقف؟
هل هي إدارة بنك الخرطوم؟
أم المنظومة التقنية؟
أم الشبكات؟
أم منظومة الدفع المصرفي؟
أم هناك خلل أوسع يجب أن يجيب عنه بنك السودان المركزي؟
نحن لا نريد أن نسمع غدًا:
«نعتذر عن التذبذب».
نريد أن نسمع:
«عرفنا السبب… عالجناه… وهذه ضمانات عدم تكراره».
فأموال المواطنين ليست تجربة تقنية.
وأعصاب المواطنين ليست حقلًا للتجارب.
والثقة في الجهاز المصرفي لا تُبنى بالبيانات، وإنما بالاستقرار والمصداقية والمساءلة.
وفي الختام…
يا بنك السودان المركزي:
المواطن يسأل.
ويا بنك الخرطوم:
المواطن ينتظر الإجابة.
فلا تجعلوا السؤال بلا جواب.
ولا تجعلوا الاعتذار نهاية القصة.
بل اجعلوا هذه الأزمة بداية لمراجعة حقيقية للمنظومة المصرفية الإلكترونية في السودان، حتى لا يأتي يوم يصبح فيه المواطن خائفًا من وضع ماله في البنك، لأنه لا يعرف متى يستطيع الوصول إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى