تقارير

المعز مجذوب يكتب : عبدالفتاح البرهان… رجل الأقدار وصانع اللحظة السودانية

 

 

في عالم السياسة، يندر أن تجتمع في رجلٍ واحد صفات القائد العسكري، والسياسي، وصاحب القدرة على الصمود أمام أعقد الأزمات. ولذلك، كثيرًا ما أقف متأملًا في شخصية الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، لا من باب المجاملة، وإنما من باب قراءة شخصية أصبحت محورًا للأحداث في السودان.

لقد وضعت الحرب السودان أمام امتحان وجود، ووضعت البرهان أمام مسؤولية لم يختر ظروفها، لكنها فرضت عليه أن يقود دولة تتعرض لأكبر مؤامرة في تاريخها الحديث. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون القائد مطالبًا بإدارة المعركة العسكرية فحسب، بل بإدارة الدولة، والمحافظة على تماسك مؤسساتها، وطمأنة شعبها، وإقناع العالم بعدالة موقفها.

وأحسب أن من أهم ما يميز البرهان هدوؤه في اللحظات الحرجة، وقدرته على استيعاب الضغوط الداخلية والخارجية دون أن يفقد توازنه. فالرجل لا يندفع كثيرًا إلى التصريحات، ولا يكثر من الظهور الإعلامي، لكنه يترك أفعاله تتحدث عنه، وهي سمة كثيرًا ما نجدها في القيادات التي تدرك أن التاريخ يكتب بالقرارات لا بالخطب.

غير أنني أؤمن كذلك بأن أي قائد، مهما بلغت حكمته، لا يستطيع أن ينجح وحده. فخلف كل قيادة ناجحة رجال يعملون بصمت، ومستشارون يدرسون الملفات، ويقدمون الرأي، ويتابعون التفاصيل الدقيقة. ومن هنا، فإن الحديث عن البرهان يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن الحلقة القوية من المستشارين الذين يحيطون به، والذين يبدو أنهم يعملون دون كلل أو ملل، واضعين نصب أعينهم إنجاح مؤسسة القيادة والدولة في آنٍ واحد.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المستشارين، وإنما بنوعية النصيحة التي يقدمونها. فالمستشار الأمين هو الذي يقول للقائد الحقيقة كما هي، لا كما يحب أن يسمعها. والأمم التي نهضت لم تنهض بالمجاملات، وإنما قامت على الصراحة، والكفاءة، وتحمل المسؤولية.

واليوم، وبعد ما تحقق من تقدم ميداني للقوات المسلحة والقوات المساندة لها في عدد من الجبهات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا من إدارة الحرب إلى إدارة السلام، ومن لغة السلاح إلى لغة البناء، ومن الانتصار العسكري إلى الانتصار في الاقتصاد والخدمات والعدالة وسيادة القانون.

إن السودانيين، بكل أطيافهم، ينتظرون مرحلة تؤسس لدولة قوية، يكون فيها القانون فوق الجميع، والمؤسسات هي الحاكمة، والكفاءة هي معيار التكليف، لا الجهوية ولا المحسوبية ولا الولاءات الضيقة.

وأقولها بكل وضوح: إن القائد الذي ينتصر في الميدان أمامه معركة أصعب، وهي الانتصار في بناء الدولة. فالتاريخ لا يتوقف عند لحظة الحرب، بل يفتح صفحاته لمن يحسن صناعة السلام، وإعادة الإعمار، وجبر الضرر، وتوحيد الصف الوطني.

ويبقى البرهان اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر؛ فرصة أن يقود السودان من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار، ومن الانقسام إلى التوافق، ومن المعاناة إلى الأمل. وهي مسؤولية عظيمة، لا يحملها فرد وحده، وإنما تتطلب تضافر جهود المخلصين من أبناء الوطن كافة.

نسأل الله أن يحفظ السودان، وأن يوفق قيادته إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن يرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، ويفك أسر المفقودين، ويعيد الأمن والاستقرار إلى كل ربوع السودان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى