مقالات

كابتن طيار عادل المفتي يكتب : الخرطوم وجوبا: أوقفوا لعبة الرمادية، قبل أن يشب الحريق

 

اجتماع الفرصة الأخيرة

دائمًا ما أجدني أكتب حين أقرأ، وحين أسمع، وحين تلامسني فكرة أو مبادرة أو موقف، فأشعر أن ما دار في خاطري يستحق أن يُكتب. هكذا جاءتني فكرة هذا المقال عن جنوب السودان؛ راودتني عندما تحدث ممثل «الإيقاد» في الخماسية وهو من جنوب السودان لورانس كارباندي في صالة اجتماعات فندق روتانا، ثم عادت إلى ذهني وأنا أقرأ خبر لقاء وزير المعادن السوداني بنظيره في جنوب السودان، برعاية سفير السودان في الصين. وفي تلك اللحظة تحديدًا، تذكرت دبلوماسيًا أقدّره كثيرًا: الفريق عصام كرار، رئيس بعثتنا الدبلوماسية في جنوب السودان.

وهنا تحديدًا يبرز دور السفير السوداني في جوبا؛ الرجل الذي يجمع بين قوة الشخصية والحضور الدبلوماسي والخبرة العسكرية، والذي ظل يؤدي أدوارًا تتجاوز التمثيل التقليدي، من التنسيق الأمني والحدودي، إلى متابعة الملف النفطي والاقتصادي، وتعزيز التعاون بين مؤسسات البلدين، فضلًا عن رعاية أوضاع الجالية السودانية ومتابعة أمنها خلال الأزمات.

كما امتد حضوره إلى مساعي دعم السلام والاستقرار في جنوب السودان، والتواصل مع القيادات السياسية والدبلوماسية، بما في ذلك ملف أبيي والجهود المرتبطة بالاستقرار الإقليمي.

ولهذا أرى أن المطلوب من الأخ السفير الفريق عصام كرار اليوم أكبر من إدارة الملفات القائمة. فإذا لم تكن قد طُرحت بالفعل، فلماذا لا يتبنى مبادرة لبناء جسر سياسي وأمني جديد بين الخرطوم وجوبا؟ جسر يقوم على حوار دائم، وتنسيق أمني وسياسي، ومصالح اقتصادية تجعل العلاقة بين البلدين مشروعًا استراتيجيًا، لا ملفًا يُدار من أزمة إلى أخرى.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الصعبة:

إلى متى ندفن الحقيقة تحت البيانات؟
وإلى متى يصبح الاتهام بديلًا عن التحقيق، والنفي بديلًا عن الشفافية؟
وإلى متى نترك الآخرين يقررون شكل العلاقة بين الخرطوم وجوبا؟

هذه ليست أسئلة ترف سياسي. إنها أسئلة مصير.

السودان وجنوب السودان دولتان، نعم، لكنهما شعبان جمعهما تاريخ وجغرافيا ومصالح واقتصاد وحدود اجتماعية لا تستطيع السياسة وحدها محوها. ولذلك فإن استمرار المنطقة الرمادية بين البلدين، في زمن الحرب، أصبح خطرًا على الجميع.

نحن بحاجة إلى اجتماع مختلف. لا صورة جماعية، ولا بيانًا دبلوماسيًا جديدًا. نحتاج إلى ما يمكن أن نسميه بلا مبالغة: اجتماع الفرصة الأخيرة.

على طاولة واحدة يجب أن توضع كل الملفات التي صنعت الشك. العلاقة مع الدعم السريع أولها. إذا كانت هناك اتهامات بوجود دعم أو تسهيلات، فلتُعرض الأدلة. وإذا كانت جوبا تنفي، فلتفتح أبواب التحقق. الدول لا تثبت براءتها بالبيانات، كما لا تُدان بالاتهامات؛ الشفافية وحدها تحسم.

وكذلك ملف حركة المقاتلين والسلاح عبر الحدود، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بقوات عبد العزيز الحلو أو بتجنيد مواطنين من جنوب السودان للقتال مع المليشيا في السودان، أو استخدام أراضي ومطارات جنوب السودان في نقل مقاتلين وعتاد الي داخل الأراضي السودانية هذه اتهامات خطيرة، ومكانها الطبيعي ليس الإعلام، بل التحقيق المشترك.

إن ثبتت الوقائع فلتُعلن، وإن لم تثبت فليتوقف التشهير.

وفي المقابل، يجب أن يكون الاقتصاد بابًا للخروج من هذه الأزمة.

فاللقاء الأخير بين وزير المعادن السوداني ونظيره في جنوب السودان، وما صاحبه من حديث عن تفعيل مذكرات التفاهم والتعاون الفني في قطاع التعدين، يمكن أن يكون نواة لمجلس اقتصادي سوداني ــ جنوبي دائم، بمبادرة وتبني من السفير الفريق عصام كرار يمتد إلى الحدود والنفط والتعدين والزراعة والتجارة والطاقة والنقل والمياه.

فكل مشروع مشترك هو مسمار جديد في جسر يصعب على الحرب هدمه.

يا الخرطوم ويا جوبا: لا تنتظرا أن تتحول الخلافات إلى حقائق ثابتة، ولا تسمحا بأن تتحول خلافات الحكومات إلى كراهية بين الشعوب.

احموا الحدود. افتحوا ملفات الحقيقة. أغلقوا أبواب السلاح. وافتحوا أبواب الاقتصاد.

فالحدود تستطيع أن تفصل دولتين، لكنها لا تستطيع أن تفصل شعبين جمعهما التاريخ.

يا الخرطوم ويا جوبا: هذه ليست دعوة إلى اجتماع جديد، بل دعوة إلى إنقاذ ما تبقى من الجسر قبل أن يتحول الصمت إلى قطيعة، والشك إلى عداء، والرماد إلي نار والحرب إلى قدر دائم.

فالنيل الأبيض يوحدنا ، والقلب الأبيض يجمعنا، وبينهما تظل وحدتنا أقوى من كل خلاف.

فاجتماع الفرصة الأخيرة يجب أن يبدأ .

قال تعالي :

«ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»
صدق الله العظيم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى