مقالات

المعز مجذوب يكتب : يا محافظ بنك السودان.. المواطن ليس فأر تجارب

حبر من نار

 

إلى السيدة الأستاذة آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ بنك السودان المركزي..

أكتب إليكِ اليوم لا بلسان خبير اقتصادي، ولا بلسان مصرفي، وإنما بلسان مواطن سوداني أنهكته المعاناة، وأصبح يتساءل: إلى متى يدفع المواطن ثمن الأخطاء والقصور والتعطّل في الخدمات المصرفية؟

السيدة المحافظ..

هل جربتِ «بنكك» كمواطنة عادية؟

هل جربتِ أن يكون لديكِ مال في حسابك، لكنك لا تستطيعين الوصول إليه في اللحظة التي تحتاجين فيها إليه؟

هل جربتِ أن تقف أمام صاحب متجر، أو صيدلية، أو مستشفى، أو محطة وقود، ثم تقولين له: لحظة واحدة، سأحوّل لك المبلغ عبر «بنكك»؟

ثم تحاولين مرة..

ومرة ثانية..

وثالثة..

فتكون الإجابة:

الخدمة لا تعمل!

ثم تذهبين إلى البنك، بعد أن تكبدتِ مشقة الطريق والزحام والانتظار، لتسمعي الجملة التي أصبحت كأنها إجابة رسمية عن كل شيء:

«الشبكة مافي»!

هنا فقط أريد أن أسألكِ:

لو كنتِ مكان هذا المواطن، ماذا كنتِ ستفعلين؟

وهل كنتِ ستقبلين أن تدفعي قيمة خدمة مصرفية، ثم لا تحصلي على الخدمة التي دفعتِ مقابلها؟

هذه ليست قصة مواطن واحد.

هذه معاناة أصبحت حديث الناس في الأسواق والمحال والبيوت.

وقد اعتذر بنك الخرطوم نفسه في الأول من سبتمبر عن تذبذب خدمة «بنكك» لدى بعض المستخدمين، وقال إن فرقه الفنية تعمل على معالجة تحديات تقنية وتطوير الخدمة.

لكن السؤال الذي يهم المواطن:

وماذا بعد الاعتذار؟

هل الاعتذار يعيد للمواطن وقته؟

هل الاعتذار يعيد للتاجر مبيعاته؟

هل الاعتذار يعيد للمواطن معاملته التي تعطلت؟

هل الاعتذار يعيد المال الذي عجز صاحبه عن تحويله في اللحظة المناسبة؟

لا يا سادة.

المواطن لا يريد اعتذاراً كلما تعطلت الخدمة.

المواطن يريد خدمة تعمل.

والأخطر من ذلك أن «بنكك» لم يعد تطبيقاً ثانوياً في حياة السودانيين.

في ظل شح السيولة النقدية، أصبحت التطبيقات المصرفية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، وأصبح تعطلها يعني تعطيل البيع والشراء والتحويلات وسداد الالتزامات. وقد رصدت تقارير صحفية حديثة بالفعل ارتباكاً في الأسواق بسبب تذبذب التطبيقات البنكية، وعلى رأسها «بنكك».

فيا محافظ بنك السودان..

أين الرقابة؟

أين المعايير؟

أين المحاسبة؟

ومن المسؤول عندما تصبح خدمة مصرفية واسعة الاستخدام عاجزة عن أداء وظيفتها؟

لا نريد أن نسمع كل مرة:

«هناك ضغط على النظام».

ولا نريد:

«الفرق الفنية تعمل».

ولا نريد:

«نقدر صبركم وتفهمكم».

فالمواطن السوداني استُنزف صبره حتى آخر قطرة.

صبر على الحرب.

صبر على النزوح.

صبر على الغلاء.

صبر على فقدان الممتلكات.

صبر على شح السيولة.

صبر على انقطاع الخدمات.

والآن مطلوب منه أن يصبر على تعطل أمواله داخل البنوك!

إلى متى؟

السيدة المحافظ..

بنك السودان المركزي ليس مؤسسة بعيدة عن المواطن.

ووفقاً للموقع الرسمي للبنك المركزي، فإن مجلس إدارته مسؤول عن تنظيم سياسة البنك وإدارة شؤونه العامة وأعماله على أسس سليمة، كما أن المحافظ يرأس مجلس الإدارة.

ولهذا فإن السؤال مشروع:

من يحمي المواطن عندما تتعطل الخدمة المصرفية؟

ومن يضمن ألا يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع الثمن دائماً؟

نحن لا نطلب المستحيل.

نريد فقط أن نسأل:

إذا كانت خدمة «بنكك» مدفوعة القيمة، فما حق المواطن عندما لا يحصل عليها؟

هل توجد آلية لتعويضه؟

هل توجد مؤشرات أداء ملزمة للبنوك؟

هل توجد عقوبات أو إجراءات رقابية عندما تتكرر الأعطال بصورة تؤثر في حياة المواطنين ومعاملاتهم؟

أم أن المواطن السوداني عليه أن يدفع..

ثم ينتظر..

ثم يتعطل..

ثم يذهب إلى البنك..

ثم يقف في الصف..

ثم يسمع:

«الشبكة مافي»؟

هذه ليست خدمة مصرفية.

هذه معاناة مصرفية.

وأقولها بصوت عالٍ:

المواطن السوداني ليس فأر تجارب.

ولا يجوز أن تكون أمواله واحتياجاته اليومية رهينة لنظام لا يستطيع ضمان استمرارية الخدمة.

السيدة المحافظ..

نحن نريد منكِ شيئاً واحداً:

انزلي إلى المواطن.

لا نريد تقارير المكاتب فقط.

لا نريد الأرقام فقط.

لا نريد الاجتماعات فقط.

جربي بنفسكِ أن تستخدمي «بنكك» في وقت الذروة.

جربي تحويل مبلغ صغير.

جربي دفع فاتورة.

جربي شراء احتياجات منزل.

جربي الوقوف أمام صاحب متجر والتطبيق لا يفتح.

ثم اسألي نفسكِ:

هل هذا هو النظام المصرفي الذي يستحقه المواطن السوداني؟

وإذا كانت الإجابة «لا»..

فالسؤال التالي:

من المسؤول عن إصلاحه؟

إنني لا أكتب هذا المقال لأهاجم بنك الخرطوم، ولا لأشكك في العاملين فيه، ولا لأقلل من التحديات التي تواجه الجهاز المصرفي السوداني.

ولكنني أكتب لأن صوت المواطن يجب أن يصل إلى أعلى جهة رقابية في البلاد.

ونريد من بنك السودان المركزي أن يتعامل مع ملف «بنكك» باعتباره ملفاً يمس الاقتصاد وحياة الناس وثقة المواطن في الجهاز المصرفي، لا مجرد عطل تقني عابر.

فإذا كان المواطن قد وضع ثقته وماله في المصارف، فعلى الدولة ومؤسساتها المصرفية أن تكون على قدر هذه الثقة.

والسؤال الأخير، وربما الأصعب:

يا محافظ بنك السودان المركزي..

هل تعانين معاناة المواطن السوداني عندما يتعطل «بنكك»؟

إذا كانت الإجابة نعم، فأنتِ تعرفين وجع الناس.

وإذا كانت الإجابة لا..

فربما آن الأوان أن تجربي بنفسكِ ما يعانيه المواطن.

لأن السودان بعد هذه الحرب لا يحتمل مؤسسة تزيد أوجاع المواطن بدلاً من أن تخففها.

نريد بنكاً مركزياً يراقب.

ونريد بنوكاً تعمل.

ونريد تطبيقات مستقرة.

ونريد مواطناً يعرف أين تذهب أمواله ومتى يستطيع استخدامها.

أما أن يدفع المواطن قيمة الخدمة، ثم لا يجد الخدمة، ثم يدفع مرة أخرى من وقته وأعصابه ومواصلاته ومصالحه..

فهذه معادلة يجب أن تنتهي.

فالدم الذي سال في السودان كثير..

ولا نريد أن يظل المواطن يبكي دماً بسبب خدمة مصرفية كان يفترض أن تكون أبسط حقوقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى