المعز مجذوب يكتب : المعادلة السياسية السودانية… بين شرعية الدولة وإعادة ترتيب البيت الداخلي

ما تشهده الساحة السودانية اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، وإنما مرحلة إعادة تشكيل للدولة السودانية بعد واحدة من أعنف الحروب التي عرفها تاريخها الحديث. وأصبحت المعادلة السياسية الجديدة تُقاس بقدرة مؤسسات الدولة على استعادة الاستقرار، وبقدرة القوى الوطنية على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة البناء.
لقد أثبتت المؤسسة العسكرية السودانية، ومعها القوات النظامية المساندة، أنها تمثل أحد أهم أعمدة الدولة في مواجهة التحديات الأمنية التي فرضتها الحرب. كما أن قطاعاً واسعاً من السودانيين يرى أن استعادة الأمن تمثل شرطاً أساسياً قبل أي عملية سياسية أو تنموية، لأن الدولة لا يمكن أن تنهض في ظل انتشار السلاح والفوضى.
وفي المقابل، فإن أي مشروع سياسي مستقبلي لن يكتب له النجاح ما لم يقترن بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وترميم مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، وإعمار ما دمرته الحرب، وإعادة ملايين المواطنين إلى حياة مستقرة وكريمة. فالمعركة الحقيقية بعد توقف أصوات المدافع هي معركة بناء الدولة.
ومن الواضح كذلك أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً لتعقيدات المشهد السوداني، وأصبح أكثر حذراً في التعامل مع الروايات المختلفة الصادرة عن أطراف الصراع. وهذا يفرض على الدولة السودانية أن تعزز حضورها الدبلوماسي والإعلامي، وأن تقدم خطاباً يقوم على الحقائق والوقائع، لأن كسب الثقة الدولية لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالمصداقية، واحترام القانون، وبناء مؤسسات مستقرة.
وفي سياق إعادة بناء الدولة، يبرز ملف الأمن الوطني بوصفه أحد أهم الملفات الحساسة. فمن الطبيعي أن تعمل الأجهزة الأمنية، وفق القانون، على حماية مؤسسات الدولة ورصد أي تهديدات تمس الأمن القومي أو تعيق جهود الاستقرار، مع الالتزام بالأنظمة والقوانين التي تنظم عملها وتحفظ حقوق المواطنين. فالدول التي خرجت من الحروب لم تستعد عافيتها إلا عندما اقترنت إعادة الإعمار بحماية الاستقرار ومنع عودة أسباب الصراع.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويؤسس لمرحلة يكون معيار المشاركة فيها هو الالتزام بالدستور والقانون، واحترام سيادة الدولة، والعمل من أجل السلام والاستقرار والتنمية، بعيداً عن خطاب التخوين أو الإقصاء، وبما يتيح معالجة الخلافات السياسية عبر الوسائل السلمية والمؤسسات الشرعية.
لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً للحرب، ولا يملك السودانيون رفاهية إهدار فرصة استعادة الدولة. فالمطلوب اليوم هو بناء مؤسسات قوية، وترسيخ العدالة، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق مشروع وطني لإعادة الإعمار والتنمية، حتى يستعيد السودان مكانته بين الأمم.
إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة شعارات، وإنما مرحلة مسؤولية وطنية، تتطلب يقظة مؤسسات الدولة، وحكمة القيادة، وتكاتف أبناء السودان جميعاً، حتى يكون المستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.


