
في زمنٍ تتقاذفه الفتن وتشتعل فيه نيران الحرب، يطل علينا نموذج فريد من رجال الله الذين طلقوا الدنيا وخافوا غوائلها، فاختاروا طريق الصفاء واليقين، وأقاموا سفن الأعمال الصالحة في لجتها العاتية. ذلك هو أبونا الشيخ محمد إبراهيم الخوجلابي المكاشفي، أحد أبكار الشيخ المكاشفي، الذي نظر إلى الدنيا بعين العارف، فلما علم أنها ليست دار وطن ولا مقام خلود، جعلها معبراً إلى الآخرة، وركب سفينة الطاعة والعبادة، مبحراً نحو شاطئ الأمان الروحي.
لقد هرب الناس من جحيم الحرب بالعاصمة القومية، تاركين وراءهم كل شيء، منازلهم وأرزاقهم وأحلامهم، بينما ظل الشيخ الخوجلابي ثابتاً في مسيده بالخوجلاب، لم يغادر ولم يتزحزح، كالجبل الأشم الذي تتكسر عنده نصال المتقاتلين. لم يترك فقراءه ولا أحبابه ولا مريديه، بل بقي ملاذاً آمناً للضعفاء والمساكين ولكل الناس بلا تمييز، يفتح أبواب الرحمة، ويغلق منافذ الخوف، ويجعل من حضوره حصناً روحياً يلوذ به كل من أنهكته الفوضى.
إن ثبات الشيخ الخوجلابي تحت القصف، وعدم مغادرته لمسيده، ليس مجرد موقف عابر، بل هو شهادة تاريخية على أن رجال الله لا تهزهم العواصف، ولا تفت في عضدهم المحن، بل يزدادون رسوخاً كلما اشتدت الخطوب. لقد جسّد معنى القيادة الروحية في أبهى صورها، حيث لم يكن مجرد شيخ لمريديه، بل كان أباً حانياً، وملاذاً للناس جميعاً، يوزع السكينة كما يوزع النور، ويزرع الأمل في أرضٍ أنهكها اليأس.
وليس غريباً أن يكون هذا الثبات ثمرة تربية رجل وقته وولي عصره، الشيخ عبد الباقي المكاشفي، الذي غرس في تلاميذه بذور الصبر واليقين، فأنبتت رجالاً كالخوجلابي، يواجهون المحن بقلوب عامرة بالإيمان، وعزائم لا تلين. إن الشيخ محمد إبراهيم الخوجلابي المكاشفي، بهذا الموقف، قد استحق أن يُذكر في سجل العظماء الذين لم يبيعوا مواقفهم، ولم يساوموا على مبادئهم، بل ظلوا أوفياء لرسالتهم حتى آخر رمق.
إننا أمام قصة ليست مجرد سيرة رجل، بل هي درس للأمة كلها، بأن الثبات على الحق هو أعظم سلاح، وأن مواجهة الفتن لا تكون بالهرب، بل بالرسوخ في الأرض، وبجعل منابر الدين حصوناً للسلام، ومقامات الأولياء منارات للهداية. لقد أثبت الشيخ الخوجلابي أن الروح المؤمنة قادرة على أن تكون أقوى من المدافع، وأن صوت الدعاء أبلغ من ضجيج الحرب، وأن مقام الولي يمكن أن يكون أوسع من حدود الوطن، لأنه يحتضن الناس جميعاً بلا تفرقة ولا تمييز.
أبونا الشيخ الخوجلابي يعمل بصمت، لا يطلب من أحد جزاءً ولا شكوراً، ومع ذلك ظلّ منسيّاً في زاوية الإهمال. بعض المسؤولين في الدولة تفضّلوا بزيارة بعض المشايخ، لكن للأسف لم يكلّف أي مسؤول – لا على مستوى الدولة ولا على مستوى الولاية – نفسه بزيارة هذا الرجل الذي أفنى عمره في خدمة الناس والدين.
جزاءه الله عن الأمة خير الجزاء، فقد كان ومازال بحق رجلاً من رجال الله، وعلماً من أعلام الثبات، وصوتاً للسلام في زمنٍ ضجّ بالدماء. سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة التاريخ، كرمزٍ للثبات والصبر، وكجبلٍ شامخٍ لم تنل منه العواصف، بل بقي واقفاً، يوزع الأمان كما يوزع النور، ويعلمنا أن طريق الحق لا يُسلك إلا بالعزيمة والإيمان.


