المعز مجذوب يكتب : إلى الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم

سيدي الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم…
أكتب إليكم اليوم لا بصفتي منتميًا إلى حزب أو جماعة، وإنما بصفتي ابنًا من أبناء السودان، وتحديدًا من ولاية جنوب كردفان – جبال النوبة، محافظة كادوقلي، منطقة ميري، ومن أحفاد الميراوي، أحمل همّ هذه الأرض وأوجاع إنسانها، وأرجو أن تجد رسالتي مكانًا في صدركم قبل أن تجد طريقها إلى عقول مستشاريكم.
لقد عايشت سنوات طويلة من تاريخ السودان، بما فيها سنوات حكم الإنقاذ الثلاثون، وبرغم ما دار حول تلك المرحلة من جدل واختلافات، فإنني – على المستوى الشخصي – لم أشعر بما أشعر به اليوم من إحساس بالغبن والتهميش تجاه ولايتي جنوب كردفان.
ما يؤلمني ليس اختلاف الناس في السياسة، وإنما تنامي الانطباع لدى كثيرين من أبناء الولاية بأن الدولة أصبحت تنظر إلى جنوب كردفان من خلال مكوّن اجتماعي واحد، بينما تتراجع بقية المكونات إلى الصفوف الخلفية. قد يختلف الناس حول مدى دقة هذا الانطباع، لكنه موجود، ومن الحكمة الإصغاء إليه قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
إن استقرار جنوب كردفان لا يتحقق بانتصار مكوّن على آخر، وإنما بإشعار الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، وأن معيار التكليف هو الكفاءة والعدالة والتمثيل المتوازن، لا الانتماء الإثني أو الاجتماعي.
ولعل الفرق الذي أراه بين الأمس واليوم أن الأنظمة السابقة – رغم ما يؤخذ عليها – كانت تحرص في كثير من الأحيان على وجود أصوات داخل دوائر القرار تستطيع أن تقول: لا عندما تشعر بأن ميزان العدالة بدأ يميل. فالمستشار الحقيقي ليس من يوافق المسؤول في كل شيء، وإنما من ينبهه إلى مواطن الخلل قبل أن تتسع.
ولو كنت اليوم في موقع أحد مستشاريكم، لما همست في أذنكم، بل لقلت أمامكم بكل احترام: يا معالي الفريق، إن الإحساس الذي يتداول في كثير من المجالس بجنوب كردفان هو أن الدولة تبذل اهتمامًا أكبر تجاه مكوّن بعينه على حساب بقية المكونات. وقد يكون هذا الإحساس صحيحًا أو غير صحيح، لكنه في جميع الأحوال يستحق أن يُسمع وأن يُراجع، لأن الشعور بالإنصاف لا يقل أهمية عن الإنصاف نفسه.
وتحضرني هنا قصة ظل أهل كادوقلي يتناقلونها عن الوالي الأسبق الأستاذ حبيب مختوم. فقد كان بعض الناس يطلقون عليه في مجالسهم لقب “أبو عائشة”، تشبيهًا بحشرة تعشق السكر، في إشارة ساخرة إلى ما كانوا يرونه من ميلٍ إلى جهة معينة. ظل اللقب يُتداول همسًا، ولم يجرؤ أحد على قوله أمامه، حتى جاء يوم زيارته لسوق الماشية بكادوقلي، فاستقبله أحد التجار بجرأة قائلاً: “أبشر يا أبو عائشة.”
تعجب الوالي، ثم قال للرجل: “والله إني أسمع بهذا الاسم، ولكن لم يقله لي أحد بهذه الشجاعة.” ثم تعامل مع الموقف بروح متقبلة، وأراد أن يبعث برسالة مفادها أن سماع النقد المباشر خير من بقائه حبيس المجالس.
وأورد هذه القصة لا للتشبيه بالأشخاص، وإنما للدلالة على أن المسؤول قد لا يسمع ما يدور في صدور الناس إلا إذا وجد من يحدثه بصدق وأدب، بعيدًا عن المبالغة أو المجاملة.
سيدي الفريق…
إن جنوب كردفان ليست ملكًا لإثنية دون أخرى، ولا لقبيلة دون أخرى، ولا لحزب دون آخر. إنها وطن صغير داخل الوطن الكبير، لا ينهض إلا بجميع مكوناته، ولا يستقر إلا إذا شعر الجميع بأن الدولة تقف منهم على مسافة واحدة.
سالتي ليست اتهامًا، وإنما نداء مخلص. فإن كان هذا الإحساس غير صحيح، فاعملوا على إزالة أسبابه. وإن كان فيه شيء من الحقيقة، فمعالجته اليوم أيسر بكثير من معالجته غدًا.
فالعدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي الضمان الحقيقي لوحدة السودان ومستقبل أجياله.
نسأل الله أن يحفظ السودان، وأن يوفق قيادته إلى ما فيه الخير والعدل، وأن يجعل الإنصاف هو الميزان الذي يطمئن إليه جميع أبناء هذا الوطن



