الصافي سالم يكتب : الأبيض حين يصبح الصمت أخطر من الحصار
كاتب صحفي والعضو المنتدب لمجموعة الحاكم

ليست كل المدن التي تقف على أقدامها بخير، وليست كل المناطق التي خلت شوارعها من المسلحين قد نالت الأمن والاستقرار. فهناك مدن تبدو ثابتة من الخارج، لكنها في الداخل تنزف بصمت، والأبيض عروس الرمال اليوم واحدة من تلك المدن التي تدفع ثمن الحرب من تفاصيل حياة مواطنيها اليومية.
إن تصوير الوضع في الأبيض شمال كردفان على أنه مستقر لمجرد خلو محيطها الأرضي من المليشيا هو قراءة ناقصة للمشهد، لأن الأمن لا يُقاس فقط بمن يسيطر على الطرقات، وإنما بمن يملك القدرة على حماية الإنسان ومقومات حياته. فما قيمة السيطرة على الأرض إذا كانت السماء مفتوحة أمام الطائرات المسيّرة التي تضرب المرافق الحيوية والأعيان المدنية وتزرع الخوف في نفوس المواطنين كل يوم الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأبيض تواجه تحديًا خطيرًا يتمثل في الاستهداف المتكرر عبر المسيّرات، وهو واقع لا يمكن تجاوزه بالشعارات أو البيانات المطمئنة. فالمدينة تعيش ظروفًا إنسانية قاسية تتجلى في شح المياه وتراجع الإمدادات الغذائية وصعوبة وصول الدواء، بينما أصبحت طرق الإمداد نفسها أهدافًا محتملة للهجمات والاستهداف.الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد الجنود المنتشرين حول المدينة، بل بقدرة المواطن على الحصول على الماء والغذاء والعلاج، وبشعوره بالأمان وهو يخرج إلى عمله أو يعود إلى منزله. والاستقرار لا يعني أن الأسواق مفتوحة فقط، بل أن البضائع تصل إليها بانتظام، وأن المستشفيات تعمل بكامل طاقتها، وأن الأطفال ينامون دون خوف من صوت انفجار أو طائرة مسيّرة.لقد أثبت أهل الأبيض صبرًا نادرًا وصمودًا يستحق الاحترام والتقدير، لكن الصمود مهما كان عظيمًا ليس موردًا لا ينضب. فالبشر لهم حدود، والمجتمعات لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية تحت ضغط العزلة ونقص الاحتياجات الأساسية والتهديد المستمر.ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي مواجهة الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه. فرفع الروح المعنوية لا يكون بحجب الحقائق، وإنما بالاعتراف بالتحديات والعمل الجاد لمعالجتها. والمطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات المطمئنة، بل حلول عملية عاجلة لتعزيز الحماية من خطر المسيّرات، وتأمين مسارات آمنة ومستدامة للإمدادات الإنسانية والتجارية والطبية.
الأبيض لا تحتاج إلى من يجمل معاناتها، بل إلى من يسمع صوتها. ولا تحتاج إلى توصيفات متفائلة بقدر حاجتها إلى إجراءات حقيقية تعيد للمواطن حقه في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار. فحين يصبح الخطر قادمًا من السماء، فإن الحديث عن استقرار الأرض وحده لا يكفي.



