
يمضي بنا الزمن كما يمضي بغيرنا، غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في الوجهة التي يسلكها كلٌّ منّا، وفي الكيفية التي نُنفِق بها تلك الساعات التي لا تُقدَّر بثمن. كثيراً ما نُهدر أوقاتاً طويلة في متابعة ما لا ينفع، نتنقّل بين المقاطع والأخبار، ثم نرفع شكوانا في آخر اليوم: “الوقت لا يكفي!” والحقيقة أنّ المشكلة ليست في قِلّة الساعات، بل في كثرة ما يُسرق من أعمارنا دون أن نشعر، إذ قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغُ.».
إنّ الوقت ليس مجرد عقارب تتحرّك على ساعة، بل هو حياة تتسرّب من بين أيدينا، فإذا ضاع الذهب بحثنا عنه، وإذا تعطّلت السيارة أصلحناها أمّا إذا ضاع الوقت فلن يعود منه شيء أبداً. كم من إنسان يتمنى ساعةً واحدةً ليُنجز بها خيراً، وكم من مريض يتمنى قوّةً كان يملكها ثم فقدها، لكنّ الأمنيات لا تُعيد ما مضى، ولا تُعوّض ما سُلب.
الوقت هو رأس مال الإنسان، وهو الكنز الذي إن أُهمل ضاع، وإن استُثمر أثمر. إنّ أعظم الخسارات أن يُستنزف العمر في ما لا يُضيف، وأن تُستبدل اللحظات الثمينة باللهو العابر، ثم نكتشف متأخرين أنّنا كنّا نُسلِّم أعمارنا إلى لصوصٍ لا يُعاقبهم القانون، لأنّهم لا يسرقون مالاً ولا متاعاً، بل يسرقون ما هو أغلى: دقائق العمر وساعات الحياة.فاسأل نفسك بصدقاً: هل ما يستهلك وقتك يستحق أن يأخذ جزءاً من عمرك؟ هل تلك الصفحات التي تُقلّبها، وتلك المقاطع التي تُتابعها، وتلك الأخبار التي تُغرقك، تستحق أن تُضحّي من أجلها بفراغك وصحتك؟. إنّ العمر قصير، والفرص محدودة واللحظات لا تتكرّر، فاجعل من وقتك سلعةً نفيسةً لا تُباع إلا بما يرفعك، ولا تُعطى إلا لما يُثريك، ولا تُهدر إلا فيما يُرضي الله ويُفيد الناس.
الوقت إذاً ليس مجرد نعمةً، بل هو أمانةً، ومن يضيّعه فقد خان نفسه قبل أن يخون غيره. فلتكن ساعاتك لبناتٍ تُشيّد بها صرحاً من الإنجاز، ولتكن دقائقك بذوراً تُثمر علماً أو عملاً أو أثراً باقياً. إنّ من يملك زمام وقته يملك زمام حياته، ومن يُحسن إدارة لحظاته يُحسن إدارة مصيره.فلا تسمح للوقت أن يُسرق منك بلا عقاباً، ولا تُسلِّم عمرك إلى ما لا ينفع، بل اجعل من كل لحظةٍ شاهداً على أنّك عشتها بحق، وأنّك لم تُفرّط في رأس مالك الأغلى.
إنّ العمر لا يُقاس بعدد أنفاسه بل بما يُنجز فيه من أثرٍ خالد، والوقت إذا مضى فلن يعود أبداً، فلا تُسلِّم دقائقك إلى ما لا ينفع، ولا تُهدر ساعاتك في لهوٍ عابر، بل اجعل من كل لحظةٍ سلماً تصعد به نحو معالي المجد، وذخراً تُقدِّمه ليومٍ تُسأل فيه عمّا صنعت بعمرك، فالعاقل من جعل وقته تاجاً على رأسه، وعملاً يخلِّد ذكره، واغتناماً يرفع قدره، فلا تُفرِّط في رأس مالك الأغلى، فإنّ من ضيّع وقته فقد ضيّع حياته كلّها.
meehad74@gmail.com


