مقالات

المعز مجذوب يكتب : أدركوا كردفان قبل فوات الأوان

حبر من نار

 

كردفان ليست مجرد إقليم في خارطة السودان، بل هي قلب نابض في جسد هذا الوطن، ومفصل تاريخي ظل عبر الأزمنة يسند الدولة السودانية برجاله وموارده وصبر أهله. غير أن هذا الإقليم العظيم يقف اليوم على حافة اختبار قاسٍ، تتزاحم فيه التحديات الأمنية والإنسانية والاقتصادية، في ظل واقع بالغ التعقيد يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضع الإنسان الكردفاني أمام معاناة يومية تتفاقم يوماً بعد يوم.

لقد دفعت كردفان ثمناً باهظاً في مسيرة السودان الطويلة؛ فقدمت الشهداء، وتحملت أعباء الحروب والنزاعات، وظلت رغم ذلك محافظة على روحها الوطنية الجامعة، وعلى قدرتها الفريدة في التعايش والتسامح بين مكوناتها المختلفة. لكن ما يجري اليوم يبعث على القلق العميق، إذ تتآكل مقومات الحياة في كثير من مناطق الإقليم، وتتراجع الخدمات الأساسية، ويجد المواطن نفسه محاصراً بين شح الموارد وتعقيدات الواقع الأمني والسياسي.

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد كردفان اليوم لا يكمن فقط في الأوضاع الأمنية، بل في الإهمال التنموي المزمن الذي جعل الإقليم، رغم ثرواته الهائلة، يعيش على هامش الاهتمام الوطني. فالأراضي الخصبة، والثروة الحيوانية الضخمة، والموارد الطبيعية المتعددة، كلها ظلت إمكانات غير مستثمرة كما ينبغي، بينما يعاني إنسان كردفان من الفقر والبطالة وانعدام البنية التحتية الأساسية.

كردفان اليوم تحتاج إلى رؤية وطنية عاجلة، تتجاوز الخطابات إلى الأفعال، وتضع الإنسان في مقدمة الأولويات. تحتاج إلى استقرار أمني حقيقي، وإلى برامج تنموية جادة تعيد الحياة لمدنها وقراها، وتفتح الأفق أمام شبابها الذين أنهكتهم الظروف وأثقلتهم التحديات.

إن ترك كردفان لمصيرها لن يكون خسارة للإقليم وحده، بل خسارة للسودان كله. فالإقليم يمثل عمقاً استراتيجياً واقتصادياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله أو التعامل معه بمنطق ردود الأفعال المؤقتة. المطلوب اليوم هو تحرك وطني مسؤول، يضع كردفان في قلب المعادلة الوطنية، ويعيد الاعتبار لدورها التاريخي في بناء السودان واستقراره.

إن نداء اليوم ليس صرخة عابرة، بل تحذير صادق من واقع يزداد خطورة يوماً بعد يوم. فالتاريخ يعلمنا أن الأقاليم حين تُترك لتواجه أزماتها وحدها، تتحول الأزمات الصغيرة إلى أزمات وطنية كبرى.

ولهذا نقولها بوضوح:
أدركوا كردفان قبل فوات الأوان… فاستقرار كردفان هو استقرار السودان، وأمنها هو جزء لا يتجزأ من أمن الوطن كله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى