المعز مجذوب خليفة يكتب : رسائل واضحة

في زمن تتكاثر فيه العواصف على جسد الوطن، وتتعالى فيه أصوات البنادق فوق همس العقل، تبقى بعض اللقاءات السياسية والعسكرية رسائل واضحة في بريد التاريخ. ومن بين تلك الرسائل، جاء اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان برئيس مجلس الصحوة الثوري موسى هلال، بحضور حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.
لم يكن اللقاء مجرد مصافحة بروتوكولية أمام عدسات الكاميرات، بل كان قراءة جديدة لمعادلة الصراع في إقليم دارفور، ورسالة سياسية تقول إن السودان يعيد ترتيب أوراقه في معركة وجود لا تحتمل التردد.
لقد جاءت كلمات البرهان وهو يترحم على شهداء منطقة مستريحة بمثابة اعتراف صريح بتضحيات أبناء تلك الأرض الذين وقفوا في وجه عدوان المليشيا، ودفعوا أرواحهم مهراً لكرامة الوطن. هؤلاء الشهداء لم يسقطوا في معركة عابرة، بل كتبوا بدمائهم فصلاً جديداً في تاريخ المقاومة الشعبية التي ظلت دائماً السند الحقيقي للدولة حين تضيق بها الساحات.
إن ما يجري في شمال دارفور اليوم ليس مجرد اشتباكات متناثرة، بل هو صراع بين مشروعين:
مشروع الدولة التي تقاتل لتستعيد هيبتها، ومشروع الفوضى الذي تقوده مليشيا آل دقلو، التي جعلت من المدنيين وقوداً لحربها العبثية.
ولذلك فإن اللقاء بين البرهان وموسى هلال ومناوي يحمل دلالات أبعد من تفاصيله الظاهرة؛ فهو مؤشر على أن القوى الاجتماعية والسياسية في دارفور بدأت تستشعر خطورة اللحظة التاريخية، وأن ساعة الاصطفاف مع الدولة قد دقت بلا مواربة.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق خطير:
إما دولة تُستعاد بالقوة الشرعية والالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة، أو فوضى تُدار بالبندقية المأجورة والولاءات العابرة للحدود.
ومن هنا تبدو إشادة البرهان بالالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة حقيقة لا يمكن إنكارها. فالجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، بل بالإرادة الشعبية التي تمنحها الشرعية المعنوية قبل العسكرية.
لقد أثبتت هذه الحرب أن الشعب السوداني، مهما اختلفت مواقفه السياسية، حين يشعر أن الوطن مهدد في وجوده، فإنه يعود غريزياً إلى حضن جيشه.
وهنا بيت القصيد.
فالمعركة لم تعد معركة مواقع عسكرية فحسب، بل معركة وعي وإرادة وطنية. معركة تُرسم فيها ملامح السودان القادم:
هل يكون دولة قوية متماسكة، أم ساحة مفتوحة لمرتزقة الحروب؟
إن اللقاء في بورتسودان ليس خبراً عابراً في نشرة المساء، بل إشارة سياسية تقول إن ترتيب البيت السوداني بدأ من جديد، وإن دارفور – التي ظلت لسنوات مسرحاً للصراع – يمكن أن تتحول إلى بوابة لاستعادة الدولة إذا صدقت النوايا وتوحدت البنادق تحت راية الوطن.
والتاريخ لا يرحم المترددين.
فإما أن ينتصر السودان…
أو أن يكتب أبناؤه فصلاً آخر من الفوضى.
لكن ما بين الدم الذي سُفك في مستريحة، والإرادة التي تتشكل في بورتسودان، يبدو أن الوطن بدأ يستعيد صوته.
وصوت الوطن…
حين يغضب…
يكتب بالحبر من نار


