سماحة السيد الفريق أول ركن الصادق إسماعيل … حين يجتمع السودان على مائدة واحدة

بقلم: محمد سومي كافي أبو نسيبة
في ليالي شهر رمضان المبارك تتجلّى القيم السودانية الأصيلة في أبهى صورها؛ حيث تلتقي القلوب قبل الأيادي، وتتصافح الأرواح قبل الكلمات، وتغدو موائد الإفطار أكثر من مجرد طعام يُقاسَم، بل مناسبة تُستعاد فيها معاني الوحدة والتسامح والتكافل الاجتماعي. وفي إحدى هذه الليالي الرمضانية العامرة بالمعاني، تشرفنا بمشاركة إفطار رمضاني كريم جمع بين نخبة من القيادات والرموز الوطنية، بدعوة كريمة في منزل السيد المعز مجذوب خليفة بخيت، حيث كان ضيف الشرف السيد الفريق أول ركن الصادق إسماعيل محمود.
لم يكن ذلك الإفطار مجرد لقاء اجتماعي عابر، بل كان صورة مصغرة للسودان الكبير في تنوعه وتعدده، السودان الذي يتسع للجميع دون إقصاء أو استعلاء. فقد حضرت قيادات تمثل مختلف جهات البلاد وثقافاتها، في مشهد يختصر تاريخ هذا الوطن الممتد من أقصى غربه إلى أقصى شرقه، ومن شماله إلى جنوبه.
من دارفور، دار السلطان، حضر أبناء السلطان علي دينار، رمز السيادة والكرامة في الذاكرة الوطنية السودانية، بما تحمله تلك الأرض من إرث عريق في الكرم والنخوة والاعتزاز بالهوية. ومن جبال النوبة، تلك الجبال التي تحفظ في صخورها تاريخ الصمود والإنسان، جاء أبناء السلطان الفكي علي الميراري، كما حضر ممثلون من مدينة وتلودي، العاصمة التاريخية لجبال النوبة، ومعهم روح تلك المنطقة التي عرفت عبر تاريخها بالتعايش والتنوع الثقافي الغني.
كما حضر ممثلون من شرق السودان، أرض البحر والجبال والإنسان الصابر، ومن شمال السودان حيث تمتد ضفاف النيل حاملةً إرث الحضارات القديمة، ومن وسط البلاد حيث تتلاقى الطرق وتتشابك الهويات في نسيج اجتماعي فريد. وكان من بين الحضور الفريق إبراهيم الماظ دينق، في حضور يعكس رمزية التعدد السوداني الذي لا يعرف الحدود بين الثقافات والقبائل، بل يجمعها في إطار وطن واحد.
وسط هذا الحضور المتنوع، كان السيد الفريق أول ركن الصادق إسماعيل محمود مثالاً للقائد الذي يدرك أن قوة السودان ليست في تنوعه فحسب، بل في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى مصدر وحدة وتماسك. فقد كان حضوره بسيطاً في مظهره، عميقاً في دلالته، حيث جلس بين الحاضرين بروح سودانية أصيلة، تُجسد معنى القيادة التي تقترب من الناس وتشاركهم همومهم وآمالهم.
بعد الإفطار، تحولت الجلسة إلى مساحة حوار راقٍ، حيث قُدمت مداخلات ثرية حول قضايا التماسك الاجتماعي، في وقت أصبح فيه هذا المفهوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقد اتفق الحاضرون على أن السودان، رغم ما مرّ به من تحديات وصراعات، لا يزال يمتلك رصيداً هائلاً من القيم الاجتماعية التي يمكن أن تكون أساساً لبناء المستقبل.
وكان من أبرز القضايا التي طُرحت خلال تلك المداخلات مسألة خطاب الكراهية، ذلك الخطاب الذي بدأ يتسلل إلى الفضاء العام عبر بعض المنابر ووسائل التواصل، محاولاً تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني الذي ظل عبر قرون طويلة قائماً على التسامح والتعايش. وقد أجمع الحاضرون على أن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بالشعارات، بل بتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، وترسيخ قيم العدالة والإنصاف، وإحياء روح السودان التي ترى في التنوع نعمة لا نقمة.
لقد أكدت تلك الجلسة الرمضانية أن السودان، مهما تعرّض للعواصف، يبقى قادراً على استعادة توازنه كلما اجتمعت إرادة أبنائه على كلمة سواء. فحين يجلس أبناء دارفور مع أبناء جبال النوبة وشرق السودان وشماله ووسطه حول مائدة واحدة، فإنهم يكتبون رسالة بليغة تقول إن هذا الوطن أكبر من كل الخلافات، وأعمق من كل محاولات التفريق.
إن مثل هذه اللقاءات ليست مجرد مناسبات اجتماعية، بل هي جسور إنسانية تعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وهي تذكير بأن السودان لم يكن في يوم من الأيام وطناً لقبيلة واحدة أو جهة واحدة، بل كان دائماً وطناً للجميع، تتجاور فيه الثقافات كما تتجاور الأنهار، وتتعايش فيه اللغات كما تتعايش الأديان.
وهكذا خرج الحاضرون من ذلك اللقاء الرمضاني وهم أكثر يقيناً بأن الطريق إلى استقرار السودان لا يبدأ من قاعات السياسة وحدها، بل من مثل هذه المجالس التي تعيد للناس إحساسهم بأنهم شركاء في وطن واحد ومصير واحد.
لقد كانت ليلة إفطار بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها؛ ليلة اجتمع فيها السودان بكل ألوانه ولهجاته وثقافاته تحت سقف واحد، ليقول بصوت واحد: إن هذا الوطن ما زال قادراً على أن يجمع أبناءه حول مائدة السلام والمحبة.
وفي ميزان القيم، تبقى مثل هذه اللحظات الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في أثرها، هي التي تحفظ للأوطان روحها، وتمنحها القدرة على النهوض من جديد.



