مقالات

المعز مجذوب يكتب : الخيلُ تجغلب… والشكرُ لحمّاد

حبر من نار

 

 

في الموروث الشعبي السوداني، حين يقال الخيل تجغلب والشكر لحمّاد ، فالمعنى أبعد من مجرد عبارة دارجة؛ إنها حكمة تختصر مأساة العمل العام حين يكدّ البعض ويتحمّل المشاق، ثم يأتي آخرون ليقطفوا الثمار ويحصدوا الثناء.

 

الخيل في مضمار السباق لا تجغلب عبثاً. إنها تضرب الأرض بحوافرها، تركض حتى يعلو الغبار، وتتسارع أنفاسها في سبيل الوصول. غير أن المشهد كثيراً ما ينتهي بوقوف شخصٍ بعيد عن الميدان، لم يتصبب عرقاً، ولم يغامر بخطوة، لكنه يرفع يده متصدّراً المشهد… ويُسكب عليه الشكر.

 

هذه المفارقة ليست مجرد مثلٍ شعبي، بل صورة متكررة في حياتنا السياسية والإدارية والاجتماعية.

كم من جنديٍ في الخنادق ظل مجهولاً، بينما تُنسب البطولات إلى من لم يسمع أزيز الرصاص؟

وكم من معلمٍ غرس القيم في العقول بصمت، بينما يظهر غيره في واجهة المجد؟

وكم من أبناء الوطن ظلوا يسندون الجدران المتصدعة بجهدهم وتضحياتهم، بينما تُكتب الأوسمة في صدور آخرين؟

 

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس قلة الجهد، بل ضياع الاعتراف بالجهد.

حين يشعر أصحاب العطاء أن عرقهم يذهب لغيرهم، وأن جهدهم يتحول إلى منصة لغيرهم، يبدأ الإحباط في التسلل إلى النفوس، ويخفت وهج المبادرة.

 

لكن الحقيقة التي لا يغيّرها التصفيق الزائف، أن التاريخ لا يُخدع طويلاً.

فكما تُعرف الخيل في المضمار، يُعرف الرجال في المواقف.

ومن ركض في الميدان سيظل أثر حوافره محفوراً في الأرض، مهما حاولت الضوضاء أن تنسب السباق لغيره.

 

إن الواجب الأخلاقي في زمن الاضطراب، أن يُعاد الاعتبار لأصحاب الجهد الحقيقي، وأن يُقال الحق دون مواربة:

إن الذين صنعوا الطريق يستحقون أن يُذكروا، وأن الذين حملوا العبء يستحقون أن يُشكروا.

 

أما الذين يأتون بعد الغبار ليتزينوا بالمشهد، فهؤلاء قد يحصدون التصفيق العابر، لكنهم لن يملكوا ذاكرة الناس.

 

وهكذا تبقى الحكمة الشعبية حاضرة، تذكّرنا بمرارة المفارقة:

الخيل تجغلب… لكن الشكر كثيراً ما يذهب لحمّاد.

 

غير أن الزمن ، في نهاية المطاف ، يعيد ترتيب الرواية، ويضع كل فارسٍ في مكانه الحقيقي .

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى