
من يظن أن الغرب لا يحتاج إلى السودان فهو واهم، ومن يتجاهل حجم الأطماع الدولية في ثروات هذا البلد فهو لا يرى أبعد من أنفه. السودان ليس دولة هامشية في خارطة المصالح العالمية، بل هو قلب نابض في معادلة الموارد والجغرافيا والسيادة. كل خيرات السودان تُهرب إلى الغرب عبر دولٍ صديقة وشقيقة، تُعاد صناعتها وتُصدّر على أنها إنتاجٌ خارجي، بينما الأصل سودانيٌ خالص، من أرضٍ لم تُنصف بعد، ومن شعبٍ لم يُمنح حقه في تقرير مصيره الاقتصادي.
السودان لا يحتاج إلى أن يُدار من الخارج، بل يحتاج إلى أن يتعامل مع الغرب وفق المصالح الاستراتيجية والندية، بفهمٍ عميقٍ لطبيعة العلاقات الدولية، وبوعيٍ كاملٍ لما يُحاك في الخفاء. لا مجال للمجاملات حين يتعلق الأمر بالسيادة، ولا مكان للضعف حين يكون الوطن هو الثمن. التعامل مع الغرب يجب أن يكون على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية، ولا الانقياد، ولا الرضوخ لضغوطٍ تُخفي أطماعاً لا تنتهي.
إذا كان الغرب لا يحتاج إلى السودان، فلماذا هذا الإصرار على زعزعة الاستقرار، ولماذا تُشعل الحروب وتُغذى النزاعات، ولماذا تُستخدم أدواتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ لإضعاف الدولة السودانية. أليس هذا طمعاً في خيراته؟ أليس هذا سعياً للسيطرة على قراره؟ أليس هذا دليلاً على أن السودان مهمٌ جداً في حسابات القوى الكبرى؟
على السودان أن يُفعّل قوانينه، أن يُعيد ضبط إيقاع التعاملات مع الدول الصديقة والشقيقة، أن يُراجع كل اتفاقٍ وكل شراكةٍ وكل صفقةٍ وقعت في زمن الغفلة. لا بد من إعادة تعريف العلاقة مع الخارج، لا على أساس العاطفة، بل على أساس المصالح، لا على أساس المجاملة، بل على أساس السيادة. السودان ليس دولةً تُدار بالوصاية، بل وطنٌ له قراره، له جيشه، له شعبه، له تاريخه، وله مستقبله الذي لا يُكتب إلا بأيدي أبنائه.
المرحلة القادمة تتطلب وعياً سياسياً واقتصادياً عميقاً، تتطلب أن يعرف السودان من هو الصديق الحقيقي ومن هو المتربص، من يُريد الخير ومن يُخفي الشر، من يُصافح بيدٍ ويطعن بالأخرى. فالعلاقات الدولية ليست شعارات، بل مصالح، والسودان يجب أن يكون طرفاً قوياً في هذه المعادلة، لا مجرد ساحةٍ لتصفية الحسابات.
حفظ الله السودان من كل طامع، ومن كل يدٍ امتدت لتنهب خيراته، ومن كل من ظن أن هذا الوطن يُدار من الخارج.


