مقالات

ناجي الكرشابي يكتب : “عرمان”.. حينما يصبح الانسحاب بطولة!

 

في مشهد جديد من فصول العبث السياسي، خرج علينا ما يُعرف بـ”الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي” ليُعلن تعليق مشاركته في الأجهزة التنفيذية لتحالف “صمود”، وذلك بعد أقل من شهر على تكوينه.

لكن، قبل أن نستغرق في تحليل هذه الخطوة، هناك أسئلة بديهية لم يُجب عليها أحد، وربما لن يُجيب:

هل يعرف أيٌّ منكم شخصًا واحدًا ينتمي لهذا “التيار الثوري الديمقراطي”؟

هل شاهد أحدكم جمعية عمومية؟ أو مؤتمرًا تأسيسيًا؟ أو حتى إعلان عضوية حقيقية لهذا التيار؟

هل سمعتم صوتًا غير صوت “عرمان” يعبّر عن هذا التيار المزعوم؟

كل ما نراه هو “عرمان” يتحدث… و”عرمان” ينسحب… و”عرمان” يُصدر البيانات…

لأننا ببساطة أمام كيان سياسي وهمي، لا جمهور له، ولا بنية تنظيمية حقيقية.

ياسر عرمان نفسه؟

من هو؟ ولماذا لا تزال بعض الدوائر تضعه في خانة “الرموز السياسية”

الحقيقة المُرّة:

أنه ليس سياسيًا، بل مرتزق سياسي محترف، وقاتل هارب من العدالة منذ العام 1986م في قضية جنائية لم تحقق فيها حكومة حمدوك بل كافَّاته عليها بمستشارية رئيس الوزراء.

عرفه الناس بعد هروبه من العدالة حاملًا لـ”حقيبة جون قرنق”، لا أكثر… يتنقل كظلّ لا قرار له.

ثم ظهر لاحقًا في برلمان “الكيزان” نائبًا مُعيَّنًا في نظامٍ كان يُفترض أنه خصمه!

ثم فجأة تحوّل إلى “مدني”، و”ثوري”، و”مناضل ديمقراطي”… بمجرد أن تغيّرت رياح السياسة!

هذا الرجل لم يكن يومًا قائدًا لتيار حقيقي. لم يُنتخب، لم يُفوَّض، ولم يتجمّع حوله الناس.

هو باختصار: بائع ولاءات سياسية، ينتقل بين العواصم ويتحدث باسم “الشعب” الذي لم يمنحه يومًا صوته.

واليوم، ينسحب عرمان من “تحالف صموت”، وكأنه كان جزءًا حقيقيًا منه، وكأن لهذا التيار وجودًا يتجاوز بيانًا مكتوبًا في صحيفة إلكترونية أو تقرير في قناة تلفزيونية!

أما عن “صموت” نفسها، فقد وُلدت ميتة، مثل سابقتها “تقزُّم”. تحالف نُسج في غرف مغلقة، مشبوه الارتباط، بلا قاعدة جماهيرية، ولا رؤية وطنية، ولا مؤسسية حقيقية.

مجرد واجهة جديدة لإعادة تدوير الفشل، باسم “المدنية” و”الانتقال الديمقراطي”.

ويبقى السؤال: هل يستحق الشعب السوداني هذا العبث؟

وهل ما زال هناك من يصدّق أن “قحت”، و”تقزُّم”، و”تأسيس”، وغيرها من مكروبات السياسة السودانية التي تسللت إلى الساحة السياسية في الظلام، يمكن أن تُمثّل هذا الشعب العظيم؟ ، وهل يجوز أن تملأ الفراغات السياسية وجوه بلا وزن، ولا تاريخ، سوى التنقّل بين الأجنحة والرايات؟

الإجابات ليست عند عرمان، وليست عند “صموت”.

الإجابة الوحيدة هي ما يقوله الشارع السوداني الآن… بعد سقوط القناع عن الجميع.

ويا للأسى…

كانت الساحة السودانية تضج بالأسماء الكبيرة والرموز الحقيقية من لدن الأزهري، والمحجوب، ومنصور خالد، والترابي، والميرغني، والصادق المهدي، ومحمد إبراهيم نقد…

رجالٌ مهما اختلفت حولهم، لا يمكنك إنكار عمقهم، وتاريخهم، وتأثيرهم، وارتباطهم الحقيقي بالجماهير.

أما اليوم، فقد ضاقت الساحة حتى امتلأت بالمُسخ السياسي، والمستنسخات الفكرية، والمتسلقين على جدران الثورية والوطنية، والمتحدثين باسم الشعب وهم غرباء عنه قولًا وفعلًا.

أي فاجعة هذه؟

بل أي سقوط أن يُستبدل التاريخ بالفراغ، والقيادة بالبيان، والنضال بالتنقّل بين الموائد والمليشيات؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى