مقالات

المعز مجذوب يكتب : الاقتصاد السوداني (2).. من يدفع فاتورة الانهيار؟ المواطن الذي لم يعد يملك ترف الانتظار

خبر من نار

 

ليس أصعب على الأوطان من الحروب وحدها، بل الأصعب أن تنتهي المعارك في الميدان، بينما تستمر معركة المواطن اليومية مع الجوع والفقر والعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة

في المقال الأول تحدثنا عن واقع الاقتصاد السوداني، وعن اتساع دائرة المعاناة، وانكماش القدرة الشرائية، وتراجع الإنتاج، وكيف أصبح المواطن السوداني محاصراً بين غلاء الأسعار وانعدام الدخل وانهيار الخدمات. واليوم نواصل الكتابة، لا لنكرر الوجع، بل لنضع أصابعنا على مكمن الخلل، ونسأل السؤال الذي لا ينبغي أن يهرب منه أحد

من المسؤول عن إدارة ما تبقى من اقتصاد السودان؟ ومن يحاسب من جعل معاش الناس آخر الأولويات

إن الأزمة الاقتصادية في السودان لم تعد مجرد أرقام تُقرأ في التقارير، ولا مؤشرات تُناقش داخل قاعات الاجتماعات، بل أصبحت واقعاً يومياً يطرق أبواب البيوت، ويقسو على الأسر، ويطارد الموظف والعامل والمزارع والنازح، حتى بات الحصول على الخبز والدواء والتعليم والكهرباء معركة تستنزف ما تبقى من صبر الناس

وهنا تكمن الخطورة؛ فالدولة التي لا تستطيع حماية الحد الأدنى من معيشة مواطنيها مطالبة بمراجعة أولوياتها قبل أن تطالب المواطن بمزيد من الصبر والتحمل

أولاً: لا اقتصاد بلا إنتاج، ولا نهضة بالجبايات وحده

السودان ليس بلداً فقيراً في موارده، ولا عاجزاً عن إطعام شعبه. إنه بلد يمتلك أرضاً زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية، وإمكانات بشرية ومائية وتجارية تؤهله لأن يكون من الاقتصادات الواعدة في المنطقة

لكن السؤال المؤلم: لماذا يعيش شعب يمتلك كل هذه الإمكانات تحت وطأة العوز

إن المشكلة لا تكمن في ندرة الموارد وحدها، وإنما في غياب الإدارة الرشيدة، وضعف التخطيط، وتعثر المؤسسات، وغياب الرؤية الاقتصادية التي تحول الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى استقرار في حياة المواطنين

لا يمكن بناء اقتصاد قوي بالاعتماد على الرسوم والضرائب والجبايات، ولا يمكن إنعاش الأسواق بإرهاق التجار والمنتجين، ولا يمكن مطالبة المزارع بزيادة الإنتاج بينما يعجز عن الحصول على الوقود والتمويل والمدخلات الزراعية

الدولة التي تريد إنقاذ اقتصادها عليها أن تبدأ من الحقل والمصنع والميناء والسوق، لا من جيب المواطن المنهك

ثانياً: الأسعار تنفلت.. والرواتب تقف في مكانه

من المؤسف أن يصبح الراتب في السودان رقماً لا يكفي صاحبه لأيام، وأن يتحول دخل الموظف من وسيلة للحياة الكريمة إلى مجرد محاولة مؤقتة لتأجيل العجز

كيف يُطلب من موظف أن يؤدي واجبه بإخلاص، بينما لا يستطيع دخله توفير احتياجات أسرته الأساسية؟ وكيف نطالب العامل بالإنتاج، والمزارع بالاستمرار، والمعلم بأداء رسالته، دون أن نوفر لهم الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي

إن معالجة الأزمة لا تكون بإطلاق الوعود، وإنما بسياسات واضحة تستهدف كبح التضخم، وضبط الأسواق، ومراجعة الأجور، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين

فمعاش الناس ليس ملفاً هامشياً في أجندة الدولة، بل هو جوهر وجودها ومسؤوليتها الأخلاقية والوطنية

ثالثاً: أين تذهب الموارد؟ وأين تذهب عائدات الدولة

هذا سؤال مشروع، وليس اتهاماً لأحد دون دليل

من حق المواطن أن يعرف كيف تُدار الموارد العامة، وما حجم الإيرادات، وكيف تُصرف الأموال، وما نصيب الخدمات الأساسية من الموازنة، وما الإجراءات المتخذة لمواجهة الفساد والتهريب والتجنيب المالي

إن الشفافية ليست ترفاً سياسياً، ولا مطلباً معارضاً، بل هي أساس الثقة بين الدولة والمجتمع

ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي دون مراجعة منظومة الإيرادات والمصروفات، وتوحيد القنوات المالية، وإخضاع المال العام للرقابة والمحاسبة، وملاحقة كل من يثبت تورطه في الاعتداء على حقوق الشعب

فلا يجوز أن يُطلب من المواطن شد الحزام، بينما لا يعرف أين تذهب موارد بلاده، ولا كيف تُدار أموالها

رابعاً: الحرب لا تعفي من المسؤولية عن التخطيط للمستقب

نحن ندرك حجم الدمار الذي خلفته الحرب، وندرك أن إعادة بناء الاقتصاد ليست مهمة سهلة، وأن الظروف الاستثنائية تفرض تحديات غير مسبوقة

لكن الحرب، مهما بلغت قسوتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتعليق الإصلاح، أو تعطيل المؤسسات، أو تأجيل معالجة الأزمات المعيشية

بل إن ظروف الحرب تجعل التخطيط أكثر إلحاحاً، وتفرض وضع برنامج اقتصادي طارئ يحدد الأولويات، ويعيد تشغيل ما يمكن تشغيله من القطاعات الإنتاجية، ويدعم الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والتجارة، ويضع احتياجات المواطنين في مقدمة الاهتمامات

إن السودان يحتاج إلى إدارة أزمة بعقل الدولة، لا إلى إدارة يوم بيوم، وإلى قرارات اقتصادية شجاعة، لا إلى بيانات تطمئن المسؤولين بينما تترك المواطن وحيداً أمام الأسواق

خامساً: نريد اقتصاداً يخدم الشعب لا اقتصاداً يطلب من الشعب أن يخدم

إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما يصبح المواطن محور السياسات العامة، لا مجرد مصدر للإيرادات

نريد خطة واضحة لإعادة الإعمار، وبرنامجاً معلناً لدعم الإنتاج، وسياسات عادلة للأجور، ورقابة حقيقية على الأسواق، ومؤسسات مالية مستقلة وفاعلة، وعدالة في توزيع الموارد بين الولايات والمناطق، بعيداً عن المحاباة والمركزية والتمييز

ونريد أن تكون الأولوية للدواء والغذاء والتعليم والمياه والكهرباء، وأن يجد الشباب فرصاً للعمل، وأن يعود المزارع إلى أرضه، وأن يستعيد التاجر ثقته في السوق، وأن يشعر المواطن بأن الدولة تقف إلى جانبه لا في مواجهته

ختاماً

إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان ليس انهيار الأرقام الاقتصادية فحسب، بل انهيار ثقة المواطن في قدرة مؤسسات الدولة على إنقاذه من هذا الواقع

فالشعوب قد تتحمل قسوة الظروف، وقد تصبر على شح الموارد، لكنها لا تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية تحت وطأة الغلاء والعجز وغياب الأفق

لسنا ضد الدولة، ولسنا ضد مؤسساتها، بل نطالب بدولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، شفافة في مواردها، ومنحازة إلى شعبها

إننا نريد أن نرى اقتصاداً يُنتج لا اقتصاداً يستهلك، ومؤسسات تُحاسب لا مؤسسات تُبرر، وسياسات تُنقذ معاش الناس لا قرارات تزيد أعباءهم

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الحديث عن امتلاك الثروات، بل يحتاج إلى من يحسن إدارتها. ولا يحتاج المواطن إلى سماع المزيد من الوعود، بل يحتاج إلى أن يرى أثر الدولة في رغيف خبزه، ودواء مريضه، وتعليم أبنائه، وأمن مستقبله

فليعلم الجميع أن صبر المواطن ليس مورداً اقتصادياً لا ينفد، وأن كرامة الناس ليست بنداً قابلاً للتأجيل في أي موازنة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى