جاد الله فضل المولي يكتب : خطاب موسكو.. ليس ضعيفاً بل هو إعلان انتقال السودان إلى معسكر المنتصرين
نقطة ارتكاز

من يظن أن خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان اليوم من موسكو كان ضعيفاً فهو لم يفهم الحرب ولم يفهم السياسة ولم يفهم أين يقف السودان اليوم، فالضعف الحقيقي ليس أن تخفض صوتك في قاعة دولية، الضعف الحقيقي أن تصرخ في الداخل ثم تذهب لتستجدي سلاحك من نفس العدو الذي يقتلك، والذي حدث اليوم في موسكو هو العكس تماماً، رجل يذهب إلى حيث يوجد السلاح والفيتو والقرار، ويترك الصراخ لأصحاب المنصات.
لقد تحدث البعض عن أن الخطاب لم يسمِ الإمارات ولم يهدد إثيوبيا ولم يتوعد المليشيا، وهذا بالضبط هو ما يجعله خطاباً قوياً، فالزعيم لا يذهب إلى مجلس الأمن ليسب، يذهب ليأخذ، والبرهان ذهب اليوم إلى موسكو ليأخذ ما عجز عنه العالم كله، ذهب ليأخذ شرعية دولية تقول إن ما يجري في السودان عدوان مدعوم من قوى إقليمية ودولية، وذهب ليأخذ التزاماً روسياً بسيادة السودان ووحدة أراضيه، وذهب ليأخذ منظومة دفاعية واقتصادية تمنع سقوط السودان، وهذه الأشياء لا تؤخذ بالشتائم، تؤخذ بالعبارات الدبلوماسية المحسوبة التي سمعناها اليوم حين قال نريد سلاماً سودانياً خالصاً دون إملاءات وتدخلات خارجية، وهذه الجملة وحدها تساوي ألف خطاب حماسي، لأنه يقول للعالم كله وخاصة لأبوظبي إن زمن فرض السلام على السودان من الخارج قد انتهى، وإن السلام القادم سيكون ببندقية الجيش وبصندوق الانتخابات فقط.
إن قوة خطاب موسكو تكمن في مكانه وتوقيته ووفده، فالرجل لم يذهب وحده، ذهب ومعه مدير منظومة الصناعات الدفاعية ومدير المخابرات ووزير المالية، وهذا ليس وفداً بروتوكولياً، هذا وفد حرب، وفد يقول لروسيا نحن جاهزون لشراكة استراتيجية كاملة بمناسبة مرور سبعين عاماً على العلاقات بيننا، وهذا يعني بوضوح أن السودان قد حسم خياره الاستراتيجي وانتقل من مربع التردد بين الشرق والغرب إلى مربع التحالف مع معسكر عالم متعدد الأقطاب بعد أن تأكد له أن المعسكر الغربي هو نفسه الذي يمول ويغطي المليشيا التي تقتل شعبه.
ثم إن البرهان حين يتحدث عن فترة انتقالية يعقبها انتخابات حرة نزيهة بمراقبة إقليمية ودولية فهو لا يغازل المدنيين كما يظن البعض، هو يسحب البساط من تحت أقدام حمدوك وأشباهه الذين يقتاتون على شماعة الديمقراطية في عواصم الخارج، هو يقول لهم الشرعية ليست في فنادق نيروبي وأديس أبابا، الشرعية ستكون في صندوق داخل السودان يراقبه العالم، ومن يريد السلطة فليأتِ عبره لا عبر فوهة بندقية مليشات الدعم السريع.
لذلك فإن خطاب اليوم ليس خطاباً ضعيفاً، بل هو خطاب رجل دولة يفكر في ما بعد الحرب، يفكر كيف يمنع عودة الحرب، يفكر كيف يضمن أن يكون سلاح الجيش القادم سلاحاً لا يقطع عنه الإمداد، وغطاؤه الدولي غطاء لا يسقط بالفيتو الأمريكي، إن الذين يريدون خطاباً يصرخ كل يوم سيفقدون الدولة كل يوم، أما الذين يريدون دولة تبقى فإنهم سيعلمون أن موسكو اليوم أهم من كل المنابر التي كانت تصدر لنا بيانات القلق، فالسلام لا يصنعه من يمول العدوان، السلام يصنعه من يدعم سيادة السودان، وروسيا اليوم قالتها بوضوح، ونحن سمعناها.خطاب الجنرال البرهان خطاب القوة والمنعه خطاب العقل .


