المعز مجذوب يكتب : مفارقات

أتعجبُ، ولا ينفكُّ العجبُ يطاردني، وأنا أرى أولئك الذين دنّسوا الأرض وأوجعوا القلوب، يُقابلون اليوم بمعاملةٍ كريمة، كأنّ الذاكرة قد أُصيبت بعمى مفاجئ، أو كأنّ الجراح التي نزفت بالأمس قد التأمت في غفلةٍ من الزمن.
أيُّ مفارقةٍ هذه التي تجعل من جلّاد الأمس ضيفاً يُكرم، ومن مُرَوِّع الآمنين إنساناً تُفرش له سُبل الرحمة؟ أين ذهبت صرخات الأمهات؟ أين دموع الأطفال؟ أين البيوت التي تهدّمت، والأحلام التي احترقت على عتبات الفقد؟
لقد ذاق الشعب السوداني مرارةً لا تُحكى، مرارةً كُتبت بدماء الأبرياء، وسُطِّرت في دفاتر الألم المفتوحة على كلِّ الاحتمالات. لم تكن تلك مجرد أحداثٍ عابرة، بل كانت ندوباً غائرة في جسد وطنٍ أنهكه النزيف.
ومع ذلك، نرى اليوم مشهداً مقلوباً، تُمدُّ فيه الأيادي بالعفو، وتُفتح فيه الأبواب لمن لم يعرفوا يوماً معنى الرحمة. هل هي سماحةٌ فطرية في هذا الشعب، أم هي محاولةٌ يائسة لتجاوز الألم؟ أم لعلها رغبةٌ في كسر دائرة العنف التي لا تنتهي؟
لكن، وبين العفو والعدالة خيطٌ دقيق، لا ينبغي أن يُقطع. فالعفو الذي لا يستند إلى اعترافٍ بالذنب، ولا يُمهِّد لمحاسبةٍ عادلة، قد يتحول إلى ظلمٍ جديد، يُضاف إلى سجلِّ المآسي.
إنّ الكرامة الحقيقية لا تُمنح لمن انتهكها دون حساب، والرحمة لا تُثمر إن لم تُسقَ بماء الحق. فلا سلام بلا عدالة، ولا طمأنينة بلا إنصاف.
سيظلُّ السؤال قائماً، يتردد في ضمير كلِّ سوداني: هل نطوي الصفحة حقاً، أم أننا نؤجل قراءة سطورها المؤلمة؟



