المعز مجذوب يكتب : إبراهيم جابر ومعاش الناس… الكلام الآن للسوق

في السودان، هناك ملفات يمكن أن تحتمل النقاش الطويل، لكن معاش الناس ليس من بينها.
المواطن الذي خرج من حرب قاسية، وفقد مدخراته ومصدر دخله، وواجه الغلاء والنزوح، لم يعد ينتظر المزيد من التصريحات.
هو يريد أن يرى الدولة في السوق.
يريد أن يعرف لماذا يرتفع الدولار، ولماذا تتضاعف أسعار السلع، ولماذا يصبح الدواء والوقود عبئاً على الأسرة، ولماذا يدفع المواطن فاتورة كل خلل في الاقتصاد.
وهنا تأتي المهمة الجديدة للفريق مهندس إبراهيم جابر.
المهمة كبيرة، والملف شائك، لكن المطلوب الآن واضح:
انقلوا الملف من قاعات الاجتماعات إلى الشارع.
أولاً: المواطن يجب أن يصبح بوصلة القرار
قبل أي قرار اقتصادي، يجب أن يكون السؤال:
كيف سينعكس هذا القرار على المواطن؟
أي سياسة ترفع الأسعار يجب مراجعتها، وأي إجراء يخفض الإنتاج يجب إيقافه، وأي مورد قومي يمكن أن يدعم الاقتصاد يجب حمايته.
ثانياً: الجنيه يحتاج إلى إنتاج
لن يستقر سعر الصرف بالقرارات وحدها.
الجنيه يحتاج إلى ذهب يدخل القنوات الرسمية، وزراعة تنتج، وثروة حيوانية تُصدّر، وصناعة تعمل، وصادرات توفر النقد الأجنبي.
وهنا يجب أن تتحول موارد السودان من أرقام في التقارير إلى موارد حقيقية في خزينة الدولة.
ثالثاً: الذهب قضية سيادة اقتصادية
الذهب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من معركة استقرار الاقتصاد.
إحكام التصدير الرسمي، مكافحة التهريب، توسيع القيمة المضافة، وإعلان حصائل الذهب بصورة شفافة؛ كلها خطوات لا تحتمل التأجيل.
رابعاً: أوقفوا نزيف الاستيراد
ليس من المنطق أن يذهب النقد الأجنبي إلى سلع يمكن إنتاجها داخل السودان، بينما تعاني المصانع والمزارع من نقص التمويل والمدخلات.
الأولوية يجب أن تكون للغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والسلع الضرورية.
خامساً: افتحوا الطريق أمام المنتج
المزارع لا يحتاج إلى خطاب تشجيعي.
يحتاج إلى تمويل، وقود، مدخلات، طرق، تخزين، وسوق عادل.
والصناعي يحتاج إلى كهرباء ومدخلات وتمويل وحماية من المنافسة غير العادلة.
إذا تحرك الإنتاج، تحرك الاقتصاد.
سادساً: السوق يحتاج إلى رقابة حقيقية
لا يكفي تحديد الأسعار على الورق.
المطلوب مراقبة سلسلة السلعة من المنتج إلى المستهلك، وكشف الاحتكار والتلاعب والتهريب، ومحاسبة من يثبت مخالفته للقانون.
فالمواطن لا يستطيع أن يتحمل أن يدفع ثمن كل حلقات المضاربة والاحتكار.
سابعاً: الشفافية تصنع الثقة
ليكن هناك تقرير اقتصادي شهري مختصر يعرف من خلاله المواطن:
سعر الصرف.
أسعار السلع الأساسية.
حصائل الذهب.
الصادرات.
الواردات.
الإنتاج.
والإجراءات التي اتخذتها الدولة.
عندها يستطيع المواطن أن يحكم على الأداء بالأرقام، لا بالشائعات.
ثامناً: 30 و90 يوماً
المطلوب برنامج واضح:
30 يوماً للإجراءات العاجلة.
90 يوماً لقياس النتائج.
ثم تقرير معلن للرأي العام.
ليس المطلوب أن تنتهي الأزمة خلال ثلاثة أشهر، فهذا غير واقعي، لكن المطلوب أن يرى المواطن اتجاهاً واضحاً نحو التحسن.
جابر أمام فرصة… والدولة أمام مسؤولية
نجاح إبراهيم جابر لن يكون فردياً.
الاقتصاد يحتاج إلى تنسيق حقيقي بين مجلس الوزراء، ووزارة المالية، وبنك السودان، والوزارات الإنتاجية، والولايات، والأجهزة الرقابية، والقطاع الخاص.
المطلوب عقل اقتصادي واحد، لا جزر اقتصادية متفرقة.
وفي النهاية…
يا إبراهيم جابر، المواطن السوداني لا يطلب المستحيل.
يريد فقط أن يشعر بأن دولته تعرف أين المشكلة، ومن أين يبدأ العلاج، ومتى ستظهر النتائج.
لقد تحمل الشعب الحرب والنزوح والغلاء وفقدان الدخل، وحان الوقت لأن يرى ثمرة استعادة الدولة لمؤسساتها ومناطقها.
الانتصار على الأرض يجب أن يرافقه انتصار في المعيشة.
فمعركة الكرامة لا تكتمل إذا بقي المواطن عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته.
والرسالة الأهم:
معاش الناس لا يُدار بالتصريحات… معاش الناس يُقاس بما يحدث في السوق.



