
إلى جهات الاختصاص بالدولة السودانية…
هناك سؤال مشروع يفرض نفسه بقوة أمام المشهد المتكرر في محطات الوقود:
إذا كانت أي زيادة في سعر الوقود سيدفع ثمنها المواطن في النهاية، فلماذا تستمر الصفوف؟ ومن المستفيد من هذا المشهد؟
وفي المقابل، نقلت تقارير صحفية وشهادات من مواطنين أن بعض المحطات توقفت عن البيع رغم وجود وقود لديها، وسط توقعات بزيادات في الأسعار، كما ظهرت تقارير عن اتهامات لبعض المحطات بحجب المخزون انتظاراً لارتفاع الأسعار. وهذه اتهامات تحتاج إلى تحقق رسمي، وليست حقيقة محسومة.
وهنا تحديداً يجب أن تتدخل جهات الاختصاص.
السؤال ليس فقط: هل الوقود موجود؟
السؤال الأهم:
أين الوقود؟
ومن يملك قرار توزيعه؟
وكمية الوقود التي دخلت البلاد أين ذهبت؟
وكمية كل محطة كم كانت؟ وكم باعت؟ وكم تبقى لديها؟
ولماذا تتوقف محطة وتعمل أخرى؟
نحن أمام سلعة استراتيجية، وأي خلل في تداولها لا يتوقف أثره عند أصحاب المركبات.
فالوقود يدخل في المواصلات، والزراعة، والإنتاج، والأسواق، والخدمات، ونقل الغذاء والدواء، وكل تفاصيل الحياة اليومية.
وحين تتعطل حركة الوقود، ترتفع تكلفة كل شيء تقريباً.
لا تجعلوا الصفوف تتحول إلى اقتصاد موازٍ
الأخطر من الصف نفسه هو أن يتحول النقص أو الإحساس بالنقص إلى فرصة للمضاربة.
فقد شهدت الخرطوم في سبتمبر صفوفاً طويلة أمام محطات الوقود، مع تقارير عن ارتفاع الأسعار الرسمية والموازية، بينما أكدت وزارة الطاقة أن الإمدادات متوفرة.
وهنا نقول لجهات الاختصاص:
إذا كان الوقود متوفراً، فليظهر أثر توفره في المحطات.
وإذا كان هناك نقص حقيقي، فليُعلن السبب بشفافية.
وإذا كان الخلل في النقل أو الترحيل أو التوزيع أو الدفع الإلكتروني، فليُحدد المسؤول عن المعالجة والزمن المطلوب للمعالجة.
أما أن يبقى المواطن في الطابور بالساعات، ثم يخرج ليجد سعراً جديداً، أو يضطر إلى السوق الموازي، فهذا أمر يحتاج إلى مراجعة جادة.
هل نعيد إنتاج مشاهد عرفناها من قبل؟
علينا أن نتعلم من التاريخ القريب.
عندما سقط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، كانت ذاكرة المواطن السوداني مثقلة بمشاهد مؤلمة: ندرة السيولة، وصفوف المخابز، وصفوف الوقود، وأزمات السلع والخدمات.
واليوم، عندما تعود بعض هذه المشاهد إلى الشارع، فإنها يجب ألا تكون مجرد صورة عابرة.
إنها جرس إنذار.
الدولة التي تريد استعادة ثقة المواطن لا يكفي أن تقول له إن السلع متوفرة؛ بل يجب أن تجعل المواطن يرى توفرها في حياته اليومية.
فالاستقرار الاقتصادي لا يُقاس بالبيانات وحدها، وإنما بعدد الساعات التي يقضيها المواطن في الصف، وبقدرته على الحصول على احتياجاته بالسعر المعلن.
ولمصلحة من يستمر هذا المشهد؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الدولة، لا المواطن.
هل المشكلة في الإمداد؟
أم في النقل والترحيل؟
أم في التوزيع؟
أم في أنظمة الدفع الإلكتروني؟
أم في تخزين بعض الكميات؟
أم في المضاربة والسوق الموازي؟
أم أن هناك أكثر من عامل يعمل في الوقت نفسه؟
لا يجوز القفز إلى اتهام جهة بعينها دون دليل، لكن في المقابل لا يجوز ترك هذه الأسئلة بلا تحقيق.
الحل ليس معقداً
نحتاج إلى غرفة متابعة حقيقية للوقود، تنشر بصورة يومية:
الكميات المستوردة والواصلة إلى الموانئ.
الكميات التي تم ترحيلها إلى كل ولاية.
الكميات الموزعة على المحطات.
السعر الرسمي المعلن.
الكميات المباعة فعلياً.
أسباب توقف أي محطة عن البيع.
آلية واضحة لتلقي بلاغات المواطنين.
رقابة على أي بيع خارج السعر الرسمي أو خارج القنوات المقررة.
إعلان نتائج أي تحقيق في حالات حجب الوقود أو المضاربة إن ثبتت.
الشفافية هنا ليست ترفاً؛ إنها جزء من إدارة الأزمة.
رسالة أخيرة إلى جهات الاختصاص
أيها المسؤولون…
المواطن السوداني تحمل الحرب، وتحمل النزوح، وتحمل الغلاء، وتحمل انهيار قيمة العملة، وتحمل فقدان مصادر الدخل.
فلا تجعلوه يتحمل فوق ذلك الوقوف في طوابير لا يعرف لماذا بدأت ولا متى تنتهي.
وإذا كان رفع السعر هو أحد أدوات معالجة تكلفة الاستيراد أو تغيرات سعر الصرف، فليكن ذلك بقرار معلن ومبرر، لا عبر خلق ندرة تدفع المواطن إلى البحث عن الوقود في السوق الموازي.
لا نريد وقوداً رخيصاً مصطنعاً، ولا نريد سعراً مدعوماً بلا قدرة على الاستمرار.
نريد شيئاً أبسط وأوضح:
وقوداً متوفراً، بسعر معلن، وتوزيعاً عادلاً، ورقابة حقيقية، ومحاسبة لمن يثبت تلاعبه.
فالزيادة في السعر قد يدفعها المواطن مرغماً،
لكن الصفوف والندرة والتلاعب ليست قدراً على المواطن.
وهنا أقول لجهات الاختصاص:
انتبهوا جيداً…
لأن المواطن لا يقرأ الأزمة الاقتصادية من التقارير فقط؛
هو يقرأها من طابور الوقود، ومن صف المخبز، ومن صعوبة الحصول على النقد.
وإذا عادت هذه المشاهد بصورة متكررة، فعلى الدولة أن تتوقف وتسأل نفسها:
هل نعالج الأزمة قبل أن تكبر، أم ننتظر حتى تصبح الصفوف عنواناً جديداً للأزمة؟

