مقالات

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب : المساومة الأمريكية المشؤومة

نقطة ارتكاز

 

فقد أحسنت سيدي الرئيس صنعاً وأحسنت تقديراً وأحسنت قراراً حين رفضت التأشيرة المشروطة التي أرادت الإدارة الأمريكية أن تجعل منها سوطاً للابتزاز وورقة للمساومة على سيادة السودان ودماء أبنائه، فقد أرادوها تأشيرة تمنح بشروط وتمنع بشروط، وكأن رئيس السودان موظف في خارجيتهم ينتظر الإذن بالدخول والخروج، وكأن السودان ولاية أمريكية تابعة لا دولة ذات سيادة وعضو مؤسس في الأمم المتحدة، ولذلك كان الرفض هو عين الحكمة وذروة العزة.

إن ما جرى يكشف بوضوح أن الأمر لم يكن مجرد إجراء قنصلي عابر بل هو سياسة ممنهجة لإذلال الدولة السودانية، فحين تربط واشنطن منح التأشيرة لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة بضرورة إعلان وقف لإطلاق النار لمدة تسعين يوماً فهي لا تبتز شخص الرئيس وإنما تبتز إرادة أمة كاملة، وتريد أن تشتري بثمن بخس انتصارات الجيش السوداني التي تحققت بالدم والدموع،وتريد أن تمنح المليشيا المتمردة قبلة الحياة بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة في الميدان، فأي وقاحة سياسية تلك التي تجعل من تأشيرة دخول مقايضة لوقف حرب وجودية يخوضها شعب بأكمله دفاعاً عن عرضه وأرضه.

ولقد كان موقف السيد الرئيس موقفاً يمثل كل سوداني حر، فالكرامة لا تجزأ والسيادة لا تقبل القسمة، ومن يقبل اليوم أن يساوم على تأشيرة سيقبل غداً أن يساوم على الأرض والعرض، ولذلك جاء الرفض قاطعاً وحاسماً ليقول لأمريكا ومن يقف خلفها إن السودان ليس للبيع وإن قرار حربه وسلمه يصنع في الخرطوم لا في واشنطن ولا في أبوظبي وإن بصمة الإمارات في هذه المؤامرة أصبحت أوضح من الشمس في رابعة النهار، فهي التي تدفع المال وتشتري المواقف وتحرك اللوبيات لخنق السودان بعد أن فشلت في إسقاطه عسكرياً.

إن أحسنية هذا القرار تكمن في أنه أعاد الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية في زمن أصبحت فيه بعض الأنظمة تلهث وراء الرضا الأمريكي ولو على حساب شعوبها، فأثبت السودان أنه دولة عصية على التركيع، وأن قائده لا يهاب الرفض ولا يخشى المنع، بل إن المنع بحد ذاته أصبح وسام شرف على صدره، فما الذي سنخسره إن لم نذهب إلى أمريكا، وماذا كسب الذين ذهبوا إليها صاغرين سوى الخيبة والخذلان، فأمريكا التي لا عهد لها ولا ذمة قد غدرت بكل حلفائها عبر التاريخ، وما أفغانستان والعراق عنا ببعيد.

إن التاريخ سيسجل أن رئيس السودان في لحظة فارقة من تاريخ الأمة اختار أن يقف مع شعبه لا مع التأشيرة، ومع كرامة وطنه لا مع بروتوكولات البيت الأبيض، وأن هذه الحادثة قد كشفت للعالم أجمع أن منظمة الأمم المتحدة لم تعد منظمة أممية بل أصبحت إدارة ملحقة بوزارةالخارجية الأمريكية تمنح من تشاء وتمنع من تشاء، وأن الوقت قد حان للمطالبة بإصلاح جذري لهذا النظام الدولي المختل أو نقل مقره إلى دولة محايدة تحترم القانون الدولي، فقد أحسنت سيدي الرئيس حين رفضت، وأحسنت حين انتصرت لوطنك، وسيبقى هذا الرفض المشروط مرفوضاً من شعب السودان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فداك سيدي الرئيس وفداء الوطن نحن جند الله جند الوطن إن دعا داعي الفداء لم نخن نتحدى الموت عند المحن نشتري المجد بأغلى ثمن هذه الأرض لنا فليعش سوداننا علماً بين الأمم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى