مقالات

ناجي الكرشابي يكتب : ” صُموت” الوجه المدني للإفلات من العقاب

اعلامي سوداني مقيم في تركيا

 

في الوقت الذي يُسفك فيه الدم السوداني في دارفور وكردفان والخرطوم والنيل الأزرق، ويُباد آلاف المدنيين ويُغتصب النساء وتُهجر المدن، يخرج علينا مايسمى “صمود” بقيادة الفاشل عبد الله حمدوك، بخطاب مصقول بالكلمات الناعمة، والعبارات الأخلاقية، والحديث المعسول عن السلام والعدالة والحياد. لكن الحقيقة التي لا بد من مواجهتها هي أن هذا التحالف، برموزه ومكوناته، ليس بريئاً من المجازر الجارية – بل هو شريك سياسي وأخلاقي في صناعة المشهد الدموي الحالي، سواء بالفعل أو بالصمت أو بالتواطؤ.

تحالف “صمود” ليس كياناً منفصلاً عن حقبة ما قبل الحرب. معظم قياداته – وعلى رأسهم حمدوك – كانوا شركاء في عملية سياسية عقيمة (الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام) أعادت تدوير قوى العنف والتمكين، وأعطت مليشيا الدعم السريع شرعية كاملة وسلطة فوق الدولة. ما جري من إبادة ممنهجة هو استمرار مباشر لنتائج ذلك الفشل، الذي لم يُحاسب عليه أحد حتى الآن.

منذ اندلاع الحرب، لم نسمع من “صمود” موقفًا صريحًا يُدين المجازر والاغتصابات الجماعية والانتهاكات البشعة التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع، خاصة في الجنينة وزالنجي وكتم وود النورة. بل كانت بياناتهم تصاغ بلغة متوازنة خادعة: “ندين العنف من كل الأطراف” – وكأن الجلاد والضحية على قدم المساواة! هذا الصمت السياسي المموّه لا يُعد حياداً، بل تواطؤاً فعلياً يساهم في منح القتلة غطاءً مدنياً مقبولاً أمام المجتمع الدولي.

تتحدث “صمود” عن “الحل السياسي”، “الجيش المهني”، “العدالة الانتقالية”، و”المسار المدني”، بينما يذبح الناس في الأسواق والقرى والمخيمات. إن هذا الخطاب المترف لا يمثل تطلعات الناجين من المجازر ولا المُهجّرين من أوطانهم، بل يعكس انفصالاً مريعًا عن الواقع، وانشغالاً مريضًا بمراكمة النقاط أمام العواصم الغربية لا أمام ضحايا السودان.

ما يسعى له تحالف “صمود” فعليًا هو تسوية سياسية تعفو عن الجميع، وتُعيد تدوير الفاعلين في الحرب دون محاسبة، تحت لافتة “السلام أولاً”. إنها نفس المعادلة الفاسدة التي أوصلتنا إلى هنا: لا عدالة، لا كشف للحقائق، لا محاكمات، بل تقاسم سلطة جديد. كيف لمن لم يدين المجازر أن يدّعي تمثيل الضحايا أو الدفاع عن حقوقهم؟

بعد فشله الذريع في قيادة المرحلة الانتقالية، يحاول عبد الله حمدوك إعادة تسويق نفسه كمنقذ مدني وسطي. لكن ذاكرة الشعب السوداني لم تُمحَ: من جلس مع حميدتي في أديس أبابا بداية الحرب يعطيه طابعا سياسيا ، ومن وافق على عدم إدماج الدعم السريع في الجيش إلا بعد 10 سنوات ودون شروط، هو شريك أصيل في هندسة هذه الكارثة، لا شاهد محايد.

صمود وإن شئت قل “صموت” وقبلها “قحت” لا يمثل بديلاً مدنياً ولا قوة ضمير حيّ، بل غطاء ناعم لقوى فشلت أخلاقياً وسياسياً، وتحاول اليوم تبرئة نفسها من بحر الدم السوداني الذي شاركت في صناعته. التاريخ لن يرحم كل من صافح القتلة، ومن أعطاهم الشرعية، ومن غض الطرف عن جرائمهم. إذا أردنا عدالة حقيقية، فكل من شارك بالصمت أو التبرير أو التواطؤ، يجب أن يكون محل مساءلة – ومنهم رموز هذا التحالف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى