المعز مجذوب خليفة يسال : محافظ بنك السودان.. هل أنت واحد من الذين يعانون مع «بنكك»؟
حبر من نار

هذه المرة لن أسأل عن سعر الدولار.
ولن أسأل عن التضخم.
ولن أدخل في جدل المدارس الاقتصادية والسياسات النقدية.
سأسأل سؤالاً واحداً فقط، وأضعه أمام محافظ بنك السودان المركزي:
هل أنت واحد من الذين يعانون عندما يتعطل «بنكك»؟
هل جربت أن يكون في حسابك مال، ولكنك لا تستطيع الوصول إليه؟
هل جربت أن تحتاج إلى تحويل مبلغ عاجل، فتقف أمام شاشة الهاتف منتظراً أن تعمل الخدمة؟
هل جربت أن يطلب منك شخص تحويل المال فوراً، بينما التطبيق لا يستجيب؟
هل جربت أن تكون لديك التزامات، ولكن النظام المصرفي يقول لك:
«الخدمة غير متاحة الآن»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأنت تعرف تماماً ماذا يعاني المواطن السوداني.
أما إذا كانت الإجابة لا، فهنا المصيبة أكبر، لأن المواطن يريد مسؤولاً يشعر بما يشعر به المواطن، لا مسؤولاً تصله التقارير فقط.
بنك السودان.. أين أنتم من معاناة الناس؟
بنك السودان المركزي ليس مصرفاً تجارياً عادياً.
إنه الجهة التي يناط بها رسم السياسة النقدية والرقابة على الجهاز المصرفي، ومجلس إدارته يملك اختصاصات واسعة في إقرار السياسات النقدية وتحديد سياسات سعر الصرف والرقابة المؤسسية.
ولهذا فإن المواطن عندما يعاني من أزمة مصرفية متكررة، فمن حقه أن يسأل:
من يراقب؟
ومن يحاسب؟
ومن يضع معايير استمرارية الخدمة؟
ومن يسأل المصارف عن خطط الطوارئ؟
ومن يحمي المواطن عندما تتعطل الخدمة في الوقت الذي يكون فيه المال مسألة حياة أو موت؟
لا نريد أن نسمع دائماً:
«هذه مشكلة البنك التجاري».
لأن المواطن لا يعرف أين تنتهي مسؤولية البنك التجاري وأين تبدأ مسؤولية البنك المركزي.
هو يعرف شيئاً واحداً:
ماله موجود في المنظومة المصرفية، ويريد الوصول إليه.
صابر محمد حسن.. لماذا نستدعي التاريخ؟
عندما نتحدث عن الدكتور صابر محمد حسن، فنحن لا نقول إن عهده كان بلا أخطاء.
لكننا نتحدث عن تجربة طويلة في قيادة البنك المركزي؛ فقد تولى المنصب من 1993 إلى 1996، ثم عاد إليه من 1998 حتى 2011، بإجمالي ستة عشر عاماً. والبنك المركزي نفسه أشار إلى أن تلك الفترة شهدت إصلاحات مصرفية وتطوراً في أدوات السياسة النقدية والتقنية المصرفية والمقاصة الإلكترونية والصرافات الآلية ونقاط البيع.
هذه شهادة تاريخية لا تحتاج إلى مجاملة.
ونحن لا نستدعيها لنقول إن الماضي كان مثالياً.
بل نسأل:
إذا استطاعت المؤسسة المصرفية في ظروف سابقة أن تبني وتطور وتدخل التقنية، فلماذا يعاني المواطن اليوم من عدم استقرار بعض الخدمات المصرفية الإلكترونية؟
وهل كان عبد الرحيم حمدي محافظاً؟
لا.
وللتاريخ حقه، الدكتور عبد الرحيم حمدي كان وزيراً للمالية واقتصادياً بارزاً، وليس محافظاً لبنك السودان المركزي.
لكن استدعاء اسمه هنا يأتي من باب المقارنة بين مدارس التفكير الاقتصادي ودور القيادات الاقتصادية في صياغة الرؤية العامة للدولة.
فالمشكلة ليست في اسم شخص.
المشكلة في المؤسسة.
اليوم نريد إجابة.. لا تبريراً
نحن نعرف أن السودان في حرب.
ونعرف أن البنية التحتية تعرضت للدمار.
ونعرف أن القطاع المصرفي واجه ظروفاً قاسية.
ونعرف أن تشغيل منظومة مصرفية إلكترونية في بلد يعيش الحرب ليس أمراً سهلاً.
لكننا نقول:
كل هذا معروف.
والسؤال الحقيقي:
ماذا فعلنا لمواجهة هذه الظروف؟
هل هناك أنظمة احتياطية؟
هل هناك مراكز بيانات بديلة؟
هل هناك خطط استمرارية أعمال؟
هل هناك زمن محدد لإعادة الخدمة عند التعطل؟
هل هناك آلية لتعويض المواطن عن الأضرار المباشرة الناتجة عن أخطاء أو أعطال مصرفية؟
وهل هناك جهة تقيس بصورة يومية جودة واستقرار الخدمات المصرفية الإلكترونية؟
هذه هي الأسئلة التي نريد إجابات عنها.
«بنكك» ليس رفاهية
عندما يصبح الهاتف المحمول هو الوسيلة التي يستخدمها المواطن لتحويل ماله، ودفع التزاماته، ومساعدة أسرته، وإدارة تجارته، فإن الخدمة الإلكترونية تصبح جزءاً من الأمن المالي للمواطن.
وبالتالي فإن تعطلها بصورة متكررة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره أمراً فنياً بسيطاً.
هناك فرق بين:
عطل يحدث أحياناً.
وبين:
خدمة يفقد المواطن الثقة في استقرارها.
والثقة في النظام المصرفي أخطر من أي عطل تقني.
لأن المواطن إذا فقد ثقته في المصرف، يبدأ في البحث عن بدائل خارج النظام الرسمي.
وهنا تبدأ المشكلة الاقتصادية الأكبر.
يا محافظ بنك السودان..
لا نريد منك معجزة.
نريد منك أن تقول للمواطن:
نحن نعرف المشكلة.
نحن نراقبها.
نحن نملك خطة لمعالجتها.
وسنحاسب من يقصر.
هذا ما يريده المواطن.
لا يريد بيانات طويلة.
ولا يريد لغة مصرفية معقدة.
ولا يريد أن يسمع عن «التحديثات الفنية» كل يوم.
يريد أن يفتح «بنكك»…
فيعمل.
يريد أن يحول…
فيصل المال.
يريد أن يسحب…
فيجد ماله.
ويريد أن ينام وهو مطمئن أن ما في حسابه ليس مجرد رقم على شاشة.
الرسالة الأخيرة
يا محافظ بنك السودان المركزي:
هل تسمعين أنين المواطن؟
هل تعرفين كم مرة يقف المواطن أمام الهاتف منتظراً عودة الخدمة؟
هل تعرفين كم صفقة تعطلت؟
كم أسرة انتظرت؟
كم مريضاً تأخر علاجه؟
كم تاجراً تعطلت معاملته؟
وكم مواطناً أصبح يخشى أن يضع ماله في البنك لأنه لا يعرف متى يستطيع الوصول إليه؟
هذه ليست أسئلة خصومة.
هذه صرخة مواطن.
ونحن نكتبها لأننا نريد لبنك السودان المركزي أن يكون أقوى، وللمصارف أن تكون أكثر كفاءة، وللمواطن أن يستعيد ثقته في جهازه المصرفي.
لا نريد إسقاط المؤسسات.. نريد إصلاحها.
لا نريد إضعاف بنك السودان.. نريد تقوية هيبته.
ولا نريد مهاجمة المصارف.. نريدها أن تكون في مستوى المواطن السوداني الذي تحمل فوق طاقته.
فيا محافظ بنك السودان المركزي:
إذا كان المواطن يسأل اليوم: «متى يعمل بنكك؟»
فالسؤال الأكبر الذي يجب أن يجيب عنه البنك المركزي هو:
«متى تعمل المنظومة المصرفية السودانية بكفاءة تليق بالمواطن؟»
فالناس لم تعد تحتمل الأعذار.
والاقتصاد لا يحتمل فقدان الثقة.
وحين يصمت المواطن، لا يعني أنه راضٍ… فقد يعني أنه تعب من السؤال.


