كابتن طيار عادل المفتي يكتب : المملكة العربية السعودية بعيون طيار سوداني بين الامس واليوم

هناك أوطانٌ تدخلها بجواز السفر…
وهناك أوطانٌ تدخل قلبك فلا تغادره أبدًا.
والمملكة العربية السعودية كانت بالنسبة لي من هذا النوع .. والمدينة غير ..
لم أكتب يومًا لأجامل أحدًا، ولم أتعلم أن أزين الكلمات بما لا تؤمن به روحي، لكنني تعلمت أن شهادة الحق دين في عنق من عاش التجربة.
وأنا… عشتها بشبابي وبكل جوارحي .

جئت إلى المملكة منذ زمن بعيد وأنا يافع ، يوم كانت المدن أكثر هدوءًا، وكانت الشوارع أقل ازدحامًا، وكان التلفزيون بالأبيض والأسود، لا يعرف الناس سوى قناتين؛ واحدة بالعربية وأخرى بالإنجليزية. كانت الإقامة دفترًا صغيرًا يحمله صاحبه أينما ذهب، يتم فيه التجديد وإضافة الاسرة وكانت المعاملات الحكومية تسير بخطوات هادئة، لا تختلف كثيرًا عن بقية دول المنطقة في ذلك الزمن.

أتذكر جدة القديمة…
أتذكر النزلة الشرقية ، ومدائن الفهد ، والشرفية ، وشارع الخرطوم ، والمكرونه ، وباب شريف ، وسوق جده الدولي والمطار القديم ، ولقاء كورة الجمعة للسودانيين بملعب الخارجية والبلدية ، وسبت دودو ، ومحسن عطا ، وبشري وهبه وكل الزملاء والاحباب ، ليس الكورة فقط بل نتفقد بعض ، ونلتقي لنسأل .. انت كيف ؟ ونسلم .. بكيف الحال ؟ .
وأتذكر وجوه الناس الطيبة، وبساطتهم، ومحبتهم.

وعلى أرض المملكة عشت أجمل سنوات عمري، كابتن طيار في الطيران الخاص، أتنقل بين سمائها الواسعة، والعالم وبصحبة الشخصيات الهامة جدا .. الأمراء والوزراء ورجال الأعمال ، وأرى من السماء ومن فوق الأرض وطنًا ينمو عامًا بعد عام.
أحببت من أعمل معهم وأحبوني واحترموني وبدون حواجز ،ولي معهم أجمل الذكريات ، ثم غادرت… ولم انقطع عنهم لحظة ، لأسس شركة خاصة ، و لأدفع ضريبة الوطن وتدريب جيل جديد في مجال الطيران .
ومرت السنوات…
وحين عدت أمس واليوم ، شعرت أنني لم أهبط في مطار، بل هبطت في المستقبل.
في المطار رأيت النظام، ورأيت السرعة، ورأيت الاحترام.
رأيت الشاب السعودي يعمل بثقة، ورأيت المرأة السعودية تؤدي دورها بكفاءة واقتدار، ورأيت الابتسامة قبل ختم الجواز، وكأن أول رسالة تريد المملكة أن تقولها لضيفها هي: مرحبًا بك… لقد أصبحت الخدمة ثقافة، وليست مجرد وظيفة.
خرجت من المطار…
فوجدت وطنًا يبتسم.
شوارع نظيفة كأنها غُسلت بماء الفجر.
أشجار تمتد على الطرقات، وزهور تزين المدن، ومشروعات عملاقة تقول لكل من يراها إن الزمن هنا لا يسير… بل يركض.
لكن أكثر ما شد انتباهي لم يكن الحجر…
بل الإنسان.
فالنهضة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج، وإنما بعدد الابتسامات التي تراها على وجوه الناس، وبالثقة التي يشعر بها المواطن، وبالكرامة التي يجدها المقيم، وبالاحترام الذي يلمسه الزائر.
رأيت حكومة تؤمن بأن وقت الإنسان أغلى من أن يضيع في طابور.
ورأيت خدمات رقمية جعلت دقائق اليوم تساوي أيام الأمس.
ورأيتُ القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في مسيرة البناء والتنمية، يدير تقريبا كل شيء ، والعديد من الخدمات بكفاءة واقتدار. حتى مواقف السيارات في الشوارع الرئيسية والأسواق أُسندت إليه، فأدارها باحترافية، مقدمًا نموذجًا يؤكد أن نجاح الدولة لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار، وعمل جميع المؤسسات بروح الفريق الواحد.
ورأيتُ كذلك أن باب الاستثمار أصبح مفتوحًا على مصراعيه، وكان القرار الذي صدر مؤخرًا بالسماح لغير السعودي والمقيم بتملّك العقار في مكة المكرمة والمدينة المنورة خير دليل على ذلك، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز البيئة الاستثمارية وجذب المزيد من الفرص.
ورأيت اهتمامًا بالنزاهة والشفافية وتعزيز المساءلة، بما يدعم ثقة المجتمع ويجعل التطوير أكثر استدامة.
كل شيء كان يقول لي إن هناك فكرة كبرى ورؤية عظيمة يقودها قائد طموح يرعي هذا التحول…
وأن الأوطان العظيمة لا تتغير بالمصادفة، وإنما تتغير عندما تتحول الرؤية إلى عمل، والعمل إلى ثقافة، والثقافة إلى أسلوب حياة.
لقد أصبح اسم رؤية المملكة 2030 أكثر من عنوان لخطة تنموية؛ أصبح قصة شعب آمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أتحدث بلسان سياسي، ولا بلسان إعلامي، وإنما بلسان رجل عرف المملكة وهي تخطو خطواتها الأولى، ثم عاد إليها وهي تمشي بثقة بين كبار العالم.
وأعرف أن وراء كل هذا رجالًا ونساءً يعملون ليلًا ونهارًا، وأن أي نهضة لا يصنعها شخص واحد، بل تصنعها قيادة تمتلك رؤية، ومؤسسات تنفذ بإخلاص، وشعب يؤمن بوطنه ويشارك في بنائه.
أما أنتم… أهلي في السودان…
فاسمحوا لي أن أحدثكم من القلب.
لا أنظر إلى المملكة بحسد…
بل أنظر إليها بالأمل.
لأنني أرى فيها الدليل على أن الأمم تستطيع أن تتغير.
لا شيء يولد كاملًا.
ولا وطن يصبح عظيمًا في ليلة واحدة.
كل نهضة تبدأ بفكرة…
ثم برؤية…
ثم بإرادة…
ثم بشعب يؤمن أن البناء أشرف من الهدم.
وأقسم بالله…
كلما رأيت هذا الجمال في المملكة، دعوت الله أن أراه يومًا في السودان.
أن أرى مطاراتنا تضج بالحياة.
وطرقنا تفيض بالنظافة.
ومؤسساتنا تعمل بالكفاءة نفسها.
وشبابنا يبنون بدل أن يحملوا السلاح.
فالسودان لا ينقصه الذكاء.
ولا ينقصه الرجال.
ولا تنقصه الموارد.
إنما يحتاج إلى السلام أولًا…
ثم إلى الخلص والإخلاص…
ثم إلى أن نجعل الوطن أكبر من الخلاف.
أيها الشعب السعودي الكريم…
أنتم لا تدركون أحيانًا ، كم نحبكم ويحبكم كثير من السودانيين.
لقد عشنا بينكم وعاش بينكم آباؤنا، وعملنا بينكم وعمل بينكم إخوتنا، وتعلم وسط أبناءكم أبناؤنا، وشاركناكم العقيقة ، وشاركتونا السماية ، وتقاسمنا معكم لقمة العيش، وفرحة العيد، ودفء الجيرة.
ولذلك بقيت المملكة في وجداني وفي وجدان كل السودانيين، كما بقي السودانيون جزءًا من قصة العمل والإخلاص على أرض المملكة.
إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والسودان ليست علاقة مصالح عابرة، بل علاقة تاريخ، ودين، وجوار، وإنسانية، ومودة صنعتها الأيام قبل أن تصنعها الاتفاقيات.
وما أجمل أن تكون نهضة المملكة مصدر إلهام لكل عربي، ومسلم لا ليكرر التجربة بحذافيرها، بل ليؤمن أن النجاح ممكن، وأن الأوطان تستحق أن نحلم بها كما نحلم لأنفسنا.
وفي الختام…
لا أملك إلا أن أقول:
شكرًا للمملكة العربية السعودية… وشكرا لخادم الحرمين الشريفين ، وشكرا لقائد النهضة صاحب السمو الملكي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان وحكومته الرشيدة .
شكرًا للأرض التي احتضنتنا.
شكرًا للشعب الذي منحنا المحبة قبل الفرصة.
وشكرًا لكل يدٍ مخلصة شاركت في بناء هذا الوطن الكبير.

وأسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والرخاء،
وأن يكتب للسودان سلامًا قريبًا، يجمع أبناءه على البناء بدل الفرقة، وعلى العمل بدل الصراع، حتى يأتي يوم يقف فيه سوداني آخر، بعد سنوات، ليكتب عن نهضة بلاده كما أكتب اليوم عن نهضة المملكة.
فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالحجارة…
بل تُبنى بالإنسان.
وإذا كان الإنسان هو الثروة الحقيقية، فإن المملكة العربية السعودية قدمت للعالم درسًا بليغًا في أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار في المستقبل.
هذه ليست كلمات إعجاب…
إنها شهادة رجلٍ عاش الأمس معكم وبقربكم ورأى اليوم، وأصبح يؤمن أكثر من أي وقت مضى أن المستحيل ليس قدرًا… وإنما قرار .
قال تعالي :
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ﴾
صدق الله العظيم ..



