مقالات

إسماعيل جبريل تيسو يكتب : دكتور صلاح الدَّعاك.. رسولٌ لخدمة الوطن والناس

حدود المنطق

 

 

 

استوقفتني عبارة قرأتها ذات يوم تقول: {كلما ارتقيتَ درجة في سلّم النجاح، كلما ازددتَ مسؤوليةً تجاه الآخرين}، ولم أجد لهذه العبارة تجسيداً عملياً أبلغ من بعض النماذج التي تجعل من مناصبها منصات للعطاء، ومن نجاحها الشخصي وسيلة لخدمة الناس، لا غاية في حد ذاته، ومن بين هذه النماذج تتجلَّى تجربة دكتور “صلاح عبدالملك الدعَّاك”، مدير بعثة الهلال الأحمر القطري في السودان، التي تستحق التأمل لكونها قصة نجاح مهني تقدم درساً متكاملاً في الإنسانية والطموح والعطاء الوطني.

 

ففي زمن الحرب، حين كانت أخبار السودان مثقلة بصور النزوح والجوع والمرض وفقدان الخدمات الأساسية، كان هناك رجال يعملون بصمت بعيداً عن الأضواء لإبقاء جذوة الأمل مشتعلة، ومن بين تلك الجهود، كان الحضور المستمر للهلال الأحمر القطري داخل السودان، حيث لم تدفعه تعقيدات الحرب ولا مخاطرها إلى التراجع أو تعليق رسالته الإنسانية، بل واصل تنفيذ مشروعاته الصحية والإغاثية والتنموية في وقت كانت فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني تبلغ ذروتها، ولم يكن ذلك التزاماً مؤسسياً فحسب، بل كان انعكاساً لرؤية قيادية تدرك أن قيمة العمل الإنساني أفضل ما تكون في أوقات الأزمات، فالحروب تكشف معادن الرجال والمؤسسات معاً، إذ يسهل العمل في أوقات الاستقرار، أما البقاء إلى جانب الناس في أوقات الخوف والمعاناة فهو الاختبار الحقيقي للرسالة الإنسانية.

 

لقد شهد السودان خلال سنوات الحرب تدفقات كبيرة من المساعدات والمبادرات، غير أن ما يميز تجربة الهلال الأحمر القطري هو الاستمرارية، فالمؤسسة لم تأتِ مع الأزمة ثم تغادر بانحسار الاهتمام الإعلامي، بل ظلت حاضرة في الميدان، تنفذ المشروعات وتدعم المرافق الصحية، وتساند المجتمعات المتضررة، مستندة إلى رصيد طويل من العمل الإنساني داخل السودان، وبرز في قلب هذه التجربة دكتور صلاح الدعَّاك بوصفه نموذجاً للقائد الذي يجمع بين الإدارة والرسالة، فالرجل لم ينظر إلى منصبه باعتباره محطة وصول، بل باعتباره مسؤولية تتطلب مزيداً من التطور والتعلم، وبينما كان الدعَّاك يقود واحدة من أهم البعثات الإنسانية العاملة في السودان، ظل يواصل رحلته العلمية بثبات وإصرار.

 

وجاء حصول دكتور “صلاح عبدالملك الدعَّاك” على زمالة الكلية الملكية البريطانية في الصحة العامة ليعكس هذا النهج، فهذه الزمالة المرموقة التي تمثل إضافة حقيقية إلى سجل الرجل المهني الحافل، تشكل دليلاً على أن الطموح العلمي لا تحده المناصب ولا تعرقله المسؤوليات، والأهم من ذلك أن الدعَّاك استثمر هذا الإنجاز في فتح آفاق للتعاون الأكاديمي بين كلية الطب بجامعة أفريقيا العالمية والكلية الملكية البريطانية، بما يخدم البحث العلمي وتبادل الخبرات وتطوير التعليم الطبي، وهنا تتجلَّى واحدة من أهم رسائل هذه التجربة، فالمعرفة ليست مرحلة تنتهي بالحصول على وظيفة أو منصب، وإنما رحلة مستمرة تزداد أهميتها كلما اتسعت المسؤوليات، ذلك أن القيادات الناجحة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تعمل على تطوير أدواتها لفهمه والتأثير فيه وصناعة مستقبل أفضل.

 

كما أن تجربة الدكتور “صلاح عبدالملك الدعَّاك” تطرح مفهوماً عميقاً للانتماء الوطني، فالوطنية ليست فقط أن تعمل داخل حدود وطنك، بل أن تحمل همومه أينما كنت، وأن تجعل من موقعك المهني نافذة لخدمته، ومن علاقاتك وخبراتك جسراً يعود بالنفع على أهله ومؤسساته، وهذه القيمة تحتاجها بلادنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

 

إن السودان يزخر بعقول وكفاءات تتبوأ مواقع متقدمة في المؤسسات الإقليمية والدولية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا النجاح الفردي إلى رافعة وطنية تسهم في إعادة البناء والتنمية وصناعة المستقبل، ولهذا فإن تجربة دكتور “صلاح الدعَّاك” لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة شخص، بل باعتبارها رسالة إلى جيل كامل من الشباب السوداني، واصلوا التعلم مهما بلغت مناصبكم، وطوّروا قدراتكم مهما كثرت مسؤولياتكم، فاسعوا إلى التميز أينما كنتم، ولكن اجعلوا السودان دائماً حاضراً في وجدانكم وقراراتكم، فالأوطان لا تبنيها الأمنيات، وإنما يبنيها رجال ونساء يجمعون بين العلم والعمل، وبين النجاح المهني والالتزام الأخلاقي، وبين الطموح الشخصي والإيمان بأن خدمة الوطن هي أعظم استثمار يمكن أن يتركه الإنسان وراءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى