المعز مجذوب يكتب : القائد المدهش


ليس كل قائدٍ يُقاس بعلوِّ المنصب، ولا كلُّ من جلس على كرسيِّ الحكم استطاع أن يجلس في قلوب الناس. فثمة رجالٌ تصنعهم المواقف قبل المناصب، وتصوغهم الميادين قبل المكاتب، وهنا يقف المشير عبدالفتاح البرهان نموذجًا فريدًا لما يمكن أن نطلق عليه “القائد القريب حدَّ الدهشة”.
أيُّ قائدٍ هذا الذي لا تفصله عن شعبه حواجز ولا مواكب ولا أسوار؟
أيُّ رجلٍ هذا الذي يفترش الأرض إفطارًا بين البسطاء، وكأنما يقول بفعله قبل قوله: “أنا منكم وفيكم”؟
في زمنٍ أصبحت فيه المسافات بين الحاكم والمحكوم تُقاس بالأميال والحراسات، يأتي البرهان ليكسر هذه القاعدة، لا بالشعارات، بل بالممارسة اليومية. تراه في الطرقات، بين الناس، يصافح هذا ويبتسم لذاك، وكأنما يعيد تعريف القيادة من برجها العاجي إلى قلب الشارع.
ثم انظر إليه في ميادين القتال، حيث لا مجال للتمثيل ولا مكان للادعاء. هناك، وسط جنوده، لا يكتفي بإصدار الأوامر من خلف المكاتب، بل يقف في الصفوف الأمامية، يشاركهم الخطر، ويقتسم معهم المعنويات. إنها رسالة صامتة، لكنها أقوى من كل الخطب: “القائد الحقيقي لا يتقدم جنوده بالكلام، بل بالفعل”.
إن التواضع الذي يميز هذا الرجل ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو جوهر شخصيته القيادية. تواضعٌ لا ينتقص من الهيبة، بل يزيدها رسوخًا. فالقائد الذي ينحني لشعبه احترامًا، يرتفع في أعينهم مقامًا ومكانة.
ولعل سر هذا الحضور الطاغي لا يكمن فقط في شخص الرجل، بل في تلك العلاقة النادرة التي نسجها مع شعبه؛ علاقة تقوم على القرب، على الإحساس، على المشاركة لا المفارقة. فهو حيث يكون الحدث، وحيث تكون المعاناة، وحيث يكون الأمل.
إنه ليس قائدًا عابرًا في زمنٍ مضطرب، بل حالة تستحق التأمل.
قائدٌ أينما نظرتَ وجدته حاضرًا… في الميدان، في الشارع، في وجدان الناس.
وهكذا تُصنع الرمزية… لا بالألقاب، بل بالفعل .



