تقارير

الذهب والسلاح وحرب الحدود.. كيف يواجه التنسيق المصري السوداني اقتصاد الحرب في المثلث الحدودي؟

 

القاهرة: علي فوزي

منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم تعد تداعيات الصراع محصورة داخل السودان، بل امتدت إلى المناطق الحدودية مع دول الجوار، وعلى رأسها الحدود المصرية السودانية. ومع اتساع رقعة القتال وانهيار السيطرة الحكومية في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان، برزت تحديات أمنية واقتصادية معقدة ترتبط بتهريب الذهب والسلاح والبشر عبر الصحراء الممتدة بين السودان وليبيا ومصر.

وفي قلب هذه التطورات يبرز المثلث الحدودي وجبل إيقات باعتبارهما منطقتين شديدتي الحساسية، تجمعان بين الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية في آن واحد.

جبل إيقات.. ثروة استراتيجية على الحدود

في عام 2020 أعلنت مصر اكتشاف احتياطيات ذهبية ضخمة بمنطقة جبل إيقات في الصحراء الشرقية، قُدرت بنحو 1.3 مليون أوقية من الذهب، ما جعل المنطقة واحدة من أهم المناطق التعدينية الواعدة في البلاد.

وتكتسب المنطقة أهمية إضافية بسبب قربها من الحدود السودانية، الأمر الذي جعل تأمينها جزءاً من منظومة الأمن القومي المصري، خصوصاً في ظل التطورات الأمنية التي فرضتها الحرب السودانية.

الذهب السوداني.. وقود الحرب

يُعد الذهب المورد الاقتصادي الأكثر أهمية في السودان خلال السنوات الأخيرة، ومع اندلاع الحرب أصبح أحد أهم مصادر التمويل للأطراف المتصارعة.

وبحسب بيانات رسمية سودانية، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2024 نحو 64.36 طناً، جاء أكثر من 83% منه عبر التعدين الأهلي التقليدي، فيما بلغت قيمة الصادرات الرسمية نحو 1.6 مليار دولار، ليمثل الذهب ما يقارب 91% من إجمالي الصادرات السودانية.

إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للتجارة، إذ تشير تقديرات متعددة إلى أن كميات كبيرة من الذهب تغادر السودان عبر مسارات غير رسمية نتيجة ضعف الرقابة الناتج عن الحرب.

وتشير تقديرات بحثية دولية إلى أن مئات الكيلوجرامات من الذهب تتحرك أسبوعياً عبر شبكات التهريب الممتدة في المناطق الصحراوية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة للحدود.

المثلث الحدودي.. عقدة التهريب الإقليمية

أصبح المثلث الحدودي الرابط بين مصر والسودان وليبيا أحد أكثر المناطق حساسية في شمال أفريقيا.

وتنبع أهميته من عدة عوامل:

– موقعه الاستراتيجي الرابط بين ثلاث دول.

– قربه من مناطق التعدين السودانية.

– اتساع المساحات الصحراوية المفتوحة.

– صعوبة الرقابة الكاملة على جميع المسارات غير الرسمية.

– استخدامه التاريخي كممر للتجارة التقليدية والتنقل الصحراوي.

ومع الحرب السودانية تحولت المنطقة إلى محور رئيسي لأنشطة التهريب بمختلف أنواعها، بما في ذلك الذهب والوقود والأسلحة والبضائع المهربة.

مناجم الذهب والصراع على الموارد

تشير تقارير متعددة إلى أن السيطرة على مناطق التعدين أصبحت جزءاً من الصراع الدائر في السودان، حيث تمثل عائدات الذهب مصدراً مهماً للتمويل.

وتحظى مناطق شمال السودان ونهر النيل ودارفور بأهمية خاصة نظراً لاحتوائها على أكبر مناطق التعدين التقليدي والإنتاج الأهلي، وهو ما جعل طرق نقل الذهب ومناطق العبور الصحراوية أهدافاً ذات قيمة استراتيجية للأطراف المتصارعة.

إلى أين يذهب الذهب السوداني؟

تؤكد دراسات وتقارير دولية أن الذهب السوداني يصل إلى الأسواق العالمية عبر مسارات متعددة تشمل دول الجوار ومراكز تجارة الذهب الإقليمية.

وتشير البيانات إلى أن جزءاً مهماً من الذهب السوداني يغادر البلاد عبر شبكات تجارية معقدة قبل وصوله إلى الأسواق الدولية، حيث تتم إعادة تصديره أو تكريره ضمن سلاسل تجارة الذهب العالمية.

ويرى خبراء الاقتصاد أن الحرب أدت إلى توسع اقتصاد الظل المرتبط بالذهب بصورة غير مسبوقة، ما حرم الخزانة السودانية من جزء كبير من العوائد الرسمية.

السلاح.. الوجه الآخر للأزمة

لم يقتصر نشاط الشبكات العابرة للحدود على الذهب فقط، بل امتد إلى تجارة السلاح.

وتحذر تقارير دولية من استمرار تدفق الأسلحة إلى مناطق النزاع في السودان عبر شبكات تهريب عابرة للحدود، مستفيدة من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض المناطق في الإقليم.

كما ساهمت الحرب في تنشيط شبكات الجريمة المنظمة التي تعمل في تهريب الوقود والبشر والمخدرات والأسلحة عبر مسارات تمتد من الساحل الأفريقي مروراً بليبيا وتشاد وصولاً إلى مناطق مختلفة في شمال أفريقيا.

مصر وتعزيز الأمن الحدودي

في مواجهة هذه التحديات، كثفت مصر إجراءات تأمين حدودها الجنوبية عبر منظومة متكاملة تشمل:

– المراقبة الجوية.

– الدوريات البرية المتحركة.

– أنظمة الاستطلاع الحديثة.

– عمليات التمشيط الدورية للمناطق الصحراوية.

– التنسيق المستمر مع الجهات السودانية المختصة.

وخلال السنوات الأخيرة أعلنت القوات المسلحة المصرية مراراً إحباط محاولات تسلل وتهريب أسلحة ومخدرات وبضائع غير مشروعة عبر الحدود الجنوبية والغربية.

كما دفع تعقيد المشهد الأمني إلى رفع مستوى التنسيق المصري السوداني لمواجهة التحديات المشتركة المرتبطة بالحدود وتأمين طرق التجارة الشرعية ومنع استغلال المناطق الصحراوية من قبل الجماعات الإجرامية.

حملات التضليل والشائعات

بالتوازي مع التطورات الميدانية، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي انتشار معلومات مضللة تتعلق بأنشطة التعدين والاستثمار في السودان.

وكان من أبرز تلك المزاعم ما تم تداوله بشأن إبرام مصر عقوداً لإنشاء عشرات المناجم داخل السودان.

إلا أن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية أصدرت بياناً رسمياً نفت فيه بشكل قاطع صحة هذه الادعاءات، مؤكدة أن ما تم تداوله لا يستند إلى أي معلومات رسمية، وأن أي اتفاقيات أو مشروعات يتم الإعلان عنها عبر القنوات الحكومية المختصة فقط.

اقتصاد الحرب يتجاوز الحدود

تكشف البيانات المتاحة أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى اقتصاد حرب متكامل يعتمد على الموارد الطبيعية وشبكات التهريب العابرة للحدود.

فالذهب الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني أصبح محوراً رئيسياً للصراع، بينما تحولت بعض المناطق الحدودية إلى نقاط عبور لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، الأمر الذي يفرض تحديات أمنية متزايدة على دول المنطقة.

في النهاية تشير الوقائع والأرقام إلى أن المثلث الحدودي المصري السوداني الليبي أصبح أحد أهم مفاصل الأمن الإقليمي في شمال أفريقيا. وبينما تواصل مصر والسودان تعزيز التنسيق الأمني والعسكري لحماية حدودهما المشتركة، يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة المجتمع الإقليمي والدولي على الحد من شبكات تهريب الذهب والسلاح وتجفيف منابع التمويل المرتبطة باستمرار الصراع السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى