ناجي الكرشابي يكتب : متحرك تحرير البعثات الخارجية..!

لم أندهش إطلاقًا من الأخبار المتداولة بكثافة حول السفير والقنصل السوداني في أيرلندا، اللذين ألقيا جوازيهما الدبلوماسيين على قارعة الطريق، ورفعا أيديهما طلبًا “اللجوء السياسي”! .. بربكم، هل هنالك مهزلة أكبر من هذه؟!
والأدهى والأمرّ أن هذا اللجوء لم يكن هربًا من حرب، ولا من جور، ولا من سجن… بل كان هروبًا من تمثيل وطنهم، لأنهما شعرا بقرب انتهاء فترتهما، فتخليا – وبشكل مفضوح – عن واجبهما في لحظة كان السودان ولا يزال أحوج ما يكون فيها لصوت خارجي نزيه، وطني، شجاع.
وهل من وطنٍ يقبل أن يكون ممثلوه الدبلوماسيون على أبواب السفارات صباحًا، ثم على أبواب مكاتب اللجوء مساءً؟!
لكن الحقيقة المُرّة التي لا مهرب منها، هل جاء هذا السفير والقنصل – وأمثالهما – من رحم السلك الدبلوماسي السوداني العريق؟.. أم جاءت بهم “قحت” في غفلة من الزمان، حينما “جندت” أمثال هؤلاء البائسين ووزّعت عليهم المناصب كأنها غنائم فتح؟!.. وزرعت في سفاراتنا من لا صلة لهم بالدبلوماسية، ولا ولاء لهم إلا للمنصب، والمال، والشلة؟!
لقد عايشنا بعض هؤلاء البائسين… ونعرفهم جيدًا.
نعرف كيف دخلوا، ولماذا صمتوا، ومتى سيكررون ذات الفعل، وأكاد أجزم أن آخرين ينتظرون ذات اللحظة… سيطلبون اللجوء غدًا أو بعد غد، متى ما اهتزّت مصالحهم، أو شعروا أن “الجو لم يعد مناسبًا للبقاء”!.
لكن… دعونا نكون منصفين، ليس كل من يعمل في سفاراتنا كذلك، نشهد الله أن فيها شرفاء، أكفاء، صامدين، أوفياء للوطن، يمارسون عملهم رغم شحّ الإمكانيات، وانقطاع المرتبات، وضبابية التوجيهات.
لكن هؤلاء لا صوت لهم… لأن صوت السفارات اليوم يُسرق بواسطة متقاعسين، “كراع في التمرد” والأخرى غاطسة في وحل التردد، والنرجسية، والنفخة الكذابة!
وفي المنتصف، يقف أولئك الذين ركبوا موجة “الثورية”، ثم تنكروا للوطن حين اشتدت العاصفة، واحتاج السودان لمن يساهم في فضح التمرد وأفعاله قبل القيام بواجباته الدبلوماسية.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى متحرك دبلوماسي لا يقل ضراوة عن “الصياد” و”البرق الخاطف”، لاجتثاث أمثال هؤلاء، ممن يقدّمون خاصهم الخسيس على عام الوطن الرفيع، وقبل ذلك، نحن بحاجة عاجلة إلى وزير خارجية وطني، حقيقي، من كفاءاتنا الوطنية، يقود هذا المتحرك ويبسط هيبة السودان في الخارج.
أيها القائد البرهان، ويا رئيس الوزراء، هل تتركون بعثات السودان في الخارج يُعبث بها أكثر من هذا؟
ألم تحن بعد ساعة التغيير؟
ألم يحن وقت تصحيح المسار؟!
إن ما جرى في أيرلندا ليس حادثًا عابرًا، بل ناقوس خطر.
وقبله تمرد سفيرنا في دولة الشر…
فهل تسمحون بانفضاح الدولة من داخل سفاراتها؟!
هل تعلمان – أيها القائد والوزير الأول – أن عددًا من بعثاتنا الخارجية يديرها بائسون؟
لا علاقة لهم بالدولة… ولا حتى بالولاء الوطني؟!
إذا كان بعض ممن يُسمَّون “دبلوماسيين” قد صاروا لاجئين… فماذا تُرك للغُبش في معسكرات النزوح واللجوء؟!.. أولئك الذين لا يحملون جوازًا دبلوماسيًا…
لكنهم لا يحلمون بشيء سوى العودة إلى الديار.


