
العيد الأول بعد ثلاث سنوات من حرب الخامس عشر من أبريل، ليس عيداً عادياً في ذاكرة السودانيين، بل هو عيد مثقل بالوجع والأسئلة والدموع المؤجلة.
ثلاث سنوات كاملة مرت على وطن تمزقت أوصاله، وتشردت أسرُه، وتبددت أحلامه بين ركام المنازل ومرارات النزوح ومخيمات اللجوء وطرق التيه الطويلة.
في هذا العيد، تلتئم بعض الأسر من جديد، بعد فراق قاسٍ فرضته الحرب.
أب يحتضن أبناءه لأول مرة منذ سنوات، وأم تعود لتسمع ضحكات أطفالها داخل بيت لم يبقَ منه إلا الذكريات، وأخوة فرقتهم المنافي ثم أعادهم الحنين إلى بعضهم البعض، ولو على أطراف وطن موجوع.
لكن، وفي ذات اللحظة، هنالك أسر لن يكتمل فرحها أبداً.
هنالك من خرج من منزله بحثاً عن الأمن والاستقرار فعاد إليه محمولاً على الأكفان، وهنالك من ابتلعته الغربة في بلاد بعيدة، وهنالك من ما زال مصيره مجهولاً بين المفقودين والمعتقلين والمشردين.
ثلاث سنوات كانت كافية لتكشف حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها هذه الحرب العبثية، والتي لم تسرق الأرواح فقط، بل سرقت أيضاً الإحساس بالأمان، وكسرت صورة الوطن المستقر داخل وجدان مواطنيه.
واليوم، ومع تشكيل حكومة الدكتور
كامل إدريس
تتجه الأنظار نحو سؤال أكبر من مجرد تشكيل السلطة نفسها، وهو:
هل تستطيع هذه الحكومة أن تعيد العدالة إلى الذين فقدوا كل شيء؟
فالعدالة هنا لا تعني البيانات السياسية والخطب الرسمية، وإنما تعني أن يشعر المواطن الذي فقد ابنه أو منزله أو مصدر رزقه، بأن الدولة ما زالت تراه وتسمعه وتعترف بألمه.
العدالة تعني كشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، وإعادة الاعتبار لكل من دفعتهم الحرب إلى الهامش القاسي للحياة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة بعد الحرب، ليس فقط إعادة الإعمار، بل إعادة الثقة بين المواطن والدولة.
لأن الإنسان الذي عاش النزوح والخوف وفقدان الأحبة، لن تقنعه الشعارات بقدر ما تقنعه الأفعال.
السودانيون اليوم لا ينتظرون حكومة تكتفي بإدارة الأزمة، بل ينتظرون مشروع دولة جديدة، تُبنى على العدالة والشفافية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
دولة تعترف بأن الدم السوداني ليس رخيصاً، وأن المواطن الذي صبر وتحمل الجوع والخوف والنزوح، يستحق حياة كريمة لا مجرد وعود مؤقتة.
العيد هذا العام يحمل ملامح مختلفة؛
فهو عيد تختلط فيه دموع الفرح بمرارة الفقد، وتتصارع فيه مشاعر العودة مع ذاكرة الخراب.
لكنه، رغم كل شيء، يظل رسالة بأن هذا الشعب ما زال قادراً على الحياة، وقادراً على ترميم نفسه مهما كانت الجراح عميقة.
ويبقى السؤال معلقاً في وجدان السودانيين جميعاً:
هل تنجح حكومة
كامل إدريس
في أن تجعل من مرحلة ما بعد الحرب بدايةً للعدالة الحقيقية، أم أن الوطن سيظل يدور في ذات الحلقة المؤلمة من الفقد والخذلان؟
ذلك، هو السؤال الذي ينتظر الشعب السوداني إجابته، لا بالأقوال، وإنما بما ستكشفه الأيام القادمة .



