مقالات

محمد سومي يكتب : قراءة في اجتماع الكتلة الديمقراطية: بين ضرورات المرحلة واستحقاقات المسؤولية الوطنية

ميزان القيم

في المنعطفات الكبرى من تاريخ الأمم، لا تُقرأ الاجتماعات السياسية بوصفها مناسبات بروتوكولية عابرة، ولا تُختزل قيمتها في عدد المقاعد المشغولة أو الكلمات المتبادلة، بل تُقاس بما تحمله من دلالات، وما تفتحه من آفاق، وما تُحدثه من أثر في مسار الأوطان حين تضيق السبل وتتعاظم التحديات. ومن هذا المنظور، فإن اجتماع الكتلة الديمقراطية في هذا الظرف الدقيق من تاريخ السودان يستحق قراءة متأنية تتجاوز ظاهر الحدث إلى عمق الرسائل الكامنة فيه.
فالسودان اليوم لا يواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات جزئية أو تفاهمات مؤقتة، بل يعيش لحظة تاريخية مركبة تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع الانهيار الاقتصادي، وتتشابك فيها أزمات الشرعية السياسية مع جراح المجتمع المثقل بالحرب والانقسام والنزوح. وفي ظل هذا المشهد شديد التعقيد، تصبح أي منصة سياسية جادة مطالبة بأن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأن تقدم رؤية تتجاوز الحسابات الفئوية إلى أفق الدولة الجامعة.
إن اجتماع الكتلة الديمقراطية، في توقيته ودلالاته، يبعث برسالة مفادها أن الساحة السودانية ما تزال تبحث عن صيغ للتلاقي الوطني، وأن ثمة إدراكًا متناميًا بأن إدارة الأزمة لا يمكن أن تتم بمنطق الإقصاء أو الهيمنة، وإنما عبر مسارات حوارية تستوعب التنوع السياسي والاجتماعي، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الشراكة والمسؤولية المشتركة.
غير أن أهمية الاجتماع لا تكمن في انعقاده فحسب، وإنما في قدرته على تجاوز المألوف السياسي الذي اعتاد على البيانات الفضفاضة والتوصيات المكررة. فالسودانيون، بعد سنوات من التعثر، لم يعودوا يترقبون الشعارات بقدر ما ينتظرون مشروعًا وطنيًا عمليًا يجيب عن الأسئلة المصيرية: كيف تُستعاد الدولة؟ كيف تُبنى مؤسساتها على أسس العدالة والكفاءة؟ وكيف يُصاغ انتقال سياسي يحفظ وحدة البلاد ويصون كرامة المواطن؟
إن القراءة المتوازنة لهذا الاجتماع تقتضي النظر إليه باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمدى نضج القوى المشاركة فيه. فالمطلوب اليوم ليس مجرد الاصطفاف تحت مظلة سياسية، وإنما بلورة رؤية استراتيجية تُعيد تعريف الأولويات الوطنية، وتضع معاناة المواطن في مركز الفعل السياسي، لا على هامشه.
وإذا كانت المرحلة الراهنة قد كشفت هشاشة كثير من التحالفات العابرة، فإنها في المقابل أظهرت الحاجة إلى تكتلات سياسية أكثر وعيًا بمتطلبات الدولة الحديثة، وأكثر التزامًا بمبدأ التوافق الوطني. ومن هنا، فإن نجاح الكتلة الديمقراطية لن يُقاس بقدرتها على توسيع دائرة عضويتها، بل بقدرتها على تقديم نموذج مختلف في الممارسة السياسية؛ نموذج يؤمن بالحوار، ويحتكم للمؤسسية، ويترجم الأقوال إلى برامج قابلة للتنفيذ.
كما أن الاجتماع يضع أمام المشاركين مسؤولية مضاعفة في قراءة المزاج الشعبي. فالجماهير السودانية، التي دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ومواردها، لم تعد تحتمل المزيد من التجريب السياسي أو التنافس العقيم على السلطة. إنها تبحث عن خطاب مسؤول، صادق، متزن، يلامس قضاياها الحقيقية ويمنحها أفقًا واضحًا للخروج من دوامة الأزمات.
ولعل أبرز ما تحتاجه هذه المرحلة هو الانتقال من منطق التحالفات التكتيكية إلى منطق المشروع الوطني الشامل؛ مشروع يؤسس لدولة القانون والمؤسسات، ويعيد بناء الثقة بين المركز والأطراف، ويضمن مشاركة الجميع دون إقصاء أو تهميش. فالسودان، بتعقيداته وتنوعه، لا يُدار بعقلية الغلبة، وإنما بمنهج التوافق والاعتراف المتبادل.
وفي هذا السياق، فإن اجتماع الكتلة الديمقراطية يمكن أن يشكل فرصة حقيقية إذا ما أحسن أصحابه استثمارها، وتحول من إطار تنسيقي محدود إلى منصة لصناعة المبادرات الوطنية الكبرى. أما إذا ظل أسير الحسابات الضيقة والرهانات المرحلية، فإنه لن يضيف جديدًا إلى مشهد أنهكته الاجتماعات التي لا تُترجم إلى أفعال.
في ميزان القيم، لا تُقاس اللقاءات السياسية بوهجها الإعلامي، بل بقدرتها على إحداث تحول في وعي النخبة ومسار الدولة. والسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى قيادات تدرك أن الوطن أكبر من التحالفات، وأن المسؤولية الوطنية تقتضي شجاعة المراجعة، ونُبل التنازل، وإرادة البناء.
إن قراءة هذا الاجتماع لا ينبغي أن تكون قراءة حدث عابر، بل قراءة مرحلة بأكملها؛ مرحلة تتطلب من الجميع أن يختاروا بين إعادة إنتاج الأزمة، أو المساهمة في صناعة المستقبل. وبين هذين الخيارين، تتحدد قيمة الاجتماع، ويُكتب أثره في ذاكرة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى