مقالات

المعز مجذوب يكتب : دولة ام فوضي..؟!

 

 

IMG 20260408 WA0638

ما طالعناه من بيانٍ منسوبٍ لما سُمّي بـ”المجلس الأعلى لجبال النوبة”، لا يمكن قراءته في سياقه السطحي كـ”رأيٍ سياسي” أو “موقفٍ احتجاجي”، بل هو – في جوهره – خطاب خطير يلامس حافة التفكيك الوطني، ويطرح أسئلة أكبر من مجرد إقالة أو تعيين داخل مؤسسة عسكرية.

أولاً، دعونا نضع النقاط على الحروف:
القوات المسلحة السودانية ليست شركةً خاصة، ولا مزرعةً جهوية، ولا كياناً تُدار مفاصله بمنطق “هذا من إقليم كذا وذاك من قبيلة كذا”. إنما هي مؤسسة وطنية سيادية، تقوم على الانضباط والتراتبية، وتُدار وفق مقتضيات الأمن القومي، لا تحت ضغط البيانات ولا تهديدات السحب والانسحاب.

ثانياً، إن التلويح بانسحاب مكوّن بعينه من داخل القوات المسلحة، أو الدعوة لتسليم الحاميات العسكرية لقوى أخرى – أياً كانت – هو طرح لا يمكن وصفه إلا بأنه دعوة صريحة للفوضى، بل وخطوة تفتح أبواب البلاد لرياح لا تُبقي ولا تذر.
من الذي يجرؤ على طرح مثل هذا السيناريو؟
ومن الذي يظن أن السودان يمكن أن يُدار بهذه العقلية الصبيانية التي تُساوم على الوطن مقابل الأفراد؟

ثالثاً، الحديث عن أن أبناء النوبة يمثلون “٨٠٪ من القوة المقاتلة” هو حديث لا يسنده منطق ولا واقع، وهو محاولة مكشوفة لزرع الفتنة داخل صفوف الجيش، وضرب الثقة بين مكوناته، وبث روح الشك والتوجس بين أبناء الوطن الواحد.

رابعاً، الأخطر من ذلك كله، هو توقيت هذا الخطاب ومصدره المريب. فمثل هذه البيانات لا تُقرأ بمعزل عن الحرب الدائرة، ولا عن محاولات تفكيك الدولة السودانية من الداخل عبر أدوات ناعمة وخشنة.
وهنا يبرز السؤال المشروع:
هل نحن أمام صوتٍ حقيقي لكيانٍ وطني، أم أمام رسالة مُفخخة صيغت بعناية في غرفٍ مظلمة خارج حدود الوطن، ثم وُضعت في أفواه البعض لبثها بين الناس؟

خامساً، إن الزج باسم إنسانٍ بحجم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في مثل هذه البيانات، لا يخدمه ولا يخدم المؤسسة التي ينتمي إليها، بل يضعه – بغير إرادته – في قلب معركةٍ ليست معركته، ويُحاول أن يجعل منه عنواناً لصراع جهوي مرفوض.

سادساً، إلى أهلنا في جبال النوبة، نقولها بصدق:
أنتم لم تكونوا يوماً بندقيةً للإيجار، ولا رقماً في معادلة ابتزاز سياسي. أنتم جزء أصيل من هذا الوطن، ودماؤكم التي سالت في ميادين الشرف، لم تكن دفاعاً عن أفراد، بل عن السودان كله. فلا تسمحوا لمن يتخفى خلف البيانات أن يُحوّل تضحياتكم إلى ورقة ضغط رخيصة.

سابعاً، وهنا لا بد من قولٍ واضح لا يحتمل التأويل:
نحمّل الأجهزة الأمنية – التي نعلم يقيناً أن لديها من المعلومات والتفاصيل ما يكفي – مسؤولية هذا التراخي في كشف من يقف خلف هذه البيانات، ولماذا لم يتم حسم هذا العبث حتى الآن. فالصمت في مثل هذه القضايا ليس حياداً، بل يفتح الباب واسعاً أمام مزيد من التمادي، ويُغري كل من يريد العبث بأمن البلاد أن يمضي دون رادع.

إن حماية الجبهة الداخلية لا تقل أهمية عن أي معركة في الميدان، بل هي أساس الصمود، وأي تهاون في تفكيك هذه المنصات المجهولة التي تبث سمومها، يُعد تقصيراً يجب التوقف عنده ومساءلته.

أخيراً…
إن السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من العبث، ولا مزيداً من الأصوات التي تنفخ في رماد الفتنة.
وإن كانت هناك قرارات داخل المؤسسة العسكرية، فمكان نقاشها هو داخل مؤسساتها، لا عبر بيانات مجهولة المصدر، ولا عبر تهديدات تُكتب بلغةٍ أقرب إلى بيانات المليشيات منها إلى خطاب الكيانات الوطنية.

فإما دولة…
أو فوضى.

ولا خيار ثالث .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى