مقالات

المعز مجذوب يكتب : ميلاد… بلد

 

ليس ما يجري اليوم داخل أروقة الدولة السودانية مجرد حراك سياسي عابر، ولا هو إعادة ترتيب روتينية لمقاعد السلطة… بل هو لحظة فاصلة في تاريخ السودان:
إما أن نكتب فيها ميلاد دولة جديدة، أو نوقع – بأيدينا – على شهادة إعادة إنتاج الأزمة.

ما يتسرب… وما لا يتسرب… وما يُقال في العلن وما يُدار في الغرف المغلقة، كلها إشارات تقول بوضوح:
السودان الآن لا يُحكم… بل يُعاد تشكيله.

أول النار: من يحكم السودان الآن؟

دعنا نكسر حاجز المجاملة:

السودان اليوم ليس دولة بسلطة واحدة،
بل ساحة مفتوحة لتنازع الإرادات:
• مؤسسة عسكرية تسعى لإعادة ضبط الدولة من مركزها
• قوى موازية تحاول فرض واقع سياسي بقوة السلاح
• فاعلون جدد خرجوا من رحم الحرب (المقاومة الشعبية وغيرها)

وهنا تكمن الخطورة…
ليس في تعدد القوى، بل في غياب مشروع وطني جامع يعلو فوقها جميعاً.

ثاني النار: هل انتهت الحرب أم تغيّرت أشكالها؟

من يظن أن الحرب انتهت، لم يقرأ المشهد جيداً.

الحرب لم تنتهِ…
بل انتقلت من الميدان إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها:
• إحلال وإبدال
• إعادة توزيع النفوذ
• صراع صامت بين مراكز القرار
• تسريبات تُستخدم كسلاح سياسي

هذه ليست مرحلة سلام…
بل مرحلة ما قبل إعادة الانفجار أو إعادة التأسيس.

ثالث النار: الجنجويد… سؤال لم يُحسم

السؤال الذي يهم كل سوداني:

هل تم تنظيف السودان من الجنجويد؟

والإجابة التي لا يحب البعض سماعها:

لم يُحسم الأمر بعد.

نعم، هناك تقدم…
نعم، هناك تراجع في بعض الجبهات…
لكن الحقيقة الكبرى:
• الفكرة لم تُهزم بالكامل
• البنية لم تُفكك جذرياً
• والامتداد السياسي لا يزال قائماً

وهذا أخطر من البندقية نفسها…

لأنك قد تهزم قوة عسكرية،
لكن إن لم تهزم فكرتها…
فإنها تعود في شكل آخر… أشد خطورة.

رابع النار: تسريبات السلطة… من يحرك المشهد؟

ما يُتداول عن:
• حل مجلس السيادة
• إعادة تشكيل هرم الدولة
• إبعاد وجوه وصعود أخرى

ليس كله كذب… وليس كله حقيقة.

بل هو في جوهره:

صراع إرادات يُدار عبر الإعلام كما يُدار داخل الغرف المغلقة.

التسريب اليوم ليس خبر…
بل أداة من أدوات الحكم.

خامس النار: هل هذا هو السودان الذي حلمنا به؟

كنا نحلم بـ
• دولة مدنية عادلة
• جيش واحد مهني
• نهاية المليشيات
• عدالة لا تُشترى ولا تُؤجل

لكن ما نراه الآن هو:
• إعادة ترتيب داخل المنظومة العسكرية
• بروز قوى جديدة خارج الإطار التقليدي
• غياب مشروع سياسي واضح لما بعد الحرب

بصراحة مؤلمة:

نحن لا نبني السودان الذي حلمنا به…
بل نحاول فقط ألا نفقد السودان الذي نعرفه.

سادس النار: إلى أين يتجه السودان؟

المشهد يقود إلى ثلاثة طرق لا رابع لها:

1. الحسم الكامل

انتصار طرف واحد وفرض رؤيته
→ دولة مستقرة ظاهرياً… لكنها قابلة للانفجار لاحقاً

2. التسوية القلقة

شراكة بين المتصارعين
→ هدوء مؤقت… وأزمة مؤجلة

3. التشظي الصامت (الأخطر)

سودان واحد بالاسم… متعدد بالواقع
→ بداية النهاية إن لم يُدار بحكمة

الكلمة التي لا بد أن تُقال

الخطر الحقيقي ليس في الجنجويد…
ولا في الجيش…
ولا في أي طرف بعينه…

الخطر الحقيقي هو غياب المشروع الوطني الجامع.

حين تغيب الفكرة الكبرى…
تتصارع البنادق.

وحين يغيب الاتفاق…
تُحكم الدول بالتسريبات.

خاتمة النار

السودان اليوم يقف على حافة تاريخية:

إما أن يتحول هذا الرماد إلى نهضة حقيقية،
أو يتحول إلى وقود لحرب أطول… وأعمق… وأقسى.

والسؤال الذي سيكتبه التاريخ، ليس:

من انتصر؟

بل:

من كان يملك رؤية لبناء السودان… لا فقط السيطرة عليه؟

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى