مقالات

المعز مجذوب يكتب : عنوان الشجاعة

 

ليست كل الأزمنة تُشبه بعضها، ولا كل اللحظات تُدار بالعقل البارد ذاته. هناك أزمنة تُكتب بالدم، وتُحسم فيها مصائر الأوطان على حافة الانهيار، حيث لا مجال للخطأ، ولا مساحة للتجريب، ولا قيمة للتردد. في مثل هذه اللحظات، لا يُسأل القائد: ماذا تريد؟ بل يُسأل: هل تملك الشجاعة لتحمل ما لا يُحتمل؟

الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، ليس مجرد قائد لمرحلة، بل رجل وُضع في اختبار لا ينجح فيه إلا من امتلك أعصاب الدولة، لا أعصاب السياسة. هو في مواجهة لحظة تاريخية شرسة، لحظة تُفرز الرجال كما تُفرز النار الذهب من الشوائب.

السودان لم يكن يوماً ساحة سهلة، لكنه اليوم يقف على حافة هاوية، تتنازعه قوى الداخل، وتعبث به حسابات الخارج، وتنهشه الانقسامات، حتى كاد أن يفقد توازنه بالكامل. وفي هذا المشهد الذي تتكاثر فيه الفوضى كما تتكاثر الظلال في العتمة، لم يكن هناك متسع لترف الحياد، ولا رفاهية الانتظار. كان لا بد من رجل يقف… لا ليتفرج، بل ليحسم.

البرهان لم يدخل هذه المعركة كخيار مريح، بل كضرورة قاسية فرضتها لحظة لا ترحم. يدرك أن الدولة حين تتفكك، لا يُعاد بناؤها بسهولة، وأن السقوط، إن حدث، لا يقف عند حدود السياسة، بل يبتلع كل شيء: الأمن، والهوية، والمستقبل. ولذلك، كان قراره واضحاً: لا مكان للانهيار… مهما كان الثمن.

هذا الرجل لا يقود من برج عاجي، بل من قلب الخطر، حيث تُصنع القرارات تحت ضغط النار، لا تحت ظلال المكاتب المكيفة. يعرف أن كل خطوة قد تُشعل عاصفة، وأن كل موقف قد يُفسر بغير ما أراد، لكنه أيضاً يعلم أن القائد الحقيقي لا ينتظر الإجماع، بل يصنعه حين تتضح النتائج.

هو لا يملك رفاهية أن يكون محبوباً من الجميع، لأن من يسعى إلى ذلك في زمن كهذا، يخسر الدولة قبل أن يكسب الناس. ولذلك، اختار أن يكون صلباً، حاسماً، واضحاً في خطوطه الحمراء: الدولة أولاً… وما عداها تفاصيل.

ولأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وإرادة، فإن البرهان يخوضها على أكثر من جبهة: جبهة تثبيت الدولة، جبهة كسر الفوضى، وجبهة إعادة تعريف معنى السلطة في بلد أنهكته الصراعات. وهو في ذلك لا يتحرك بردود الأفعال، بل بعقل استراتيجي يرى ما بعد الغبار، لا ما يراه الآخرون في لحظة الارتباك.

قد ترتفع الأصوات، وقد تتعالى الاتهامات، وقد يحاول البعض اختزال المشهد في زوايا ضيقة، لكن الحقيقة الأعمق أن الرجل يقاتل في معركة لا تحتمل التبسيط. إنها معركة وجود، إما أن يخرج منها السودان دولة، أو يتحول إلى ساحة مفتوحة لكل من هب ودب.

والتاريخ، في مثل هذه اللحظات، لا يمنح وسام الشجاعة لمن تحدثوا كثيراً، بل لمن ثبتوا حين اهتز كل شيء، لمن وقفوا حين انهار الآخرون، لمن حملوا الدولة على أكتافهم حين كادت تسقط من بين الأيدي.

البرهان لا يطلب تصفيقاً، ولا ينتظر ثناءً، لأنه يعرف أن طريقه مليء بالشوك، وأن نهايته لن تُقاس برضا اللحظة، بل بحكم التاريخ. وهل أنقذ الدولة… أم تركها تنزلق إلى القاع؟

السودان اليوم أمام مفترق لا يتكرر كثيراً، والرجال فيه يُقاسون بقدرتهم على الحسم، لا بمهارتهم في الخطابة. وفي هذا الامتحان القاسي، يقف البرهان، لا كخيار قابل للنقاش، بل كواقع يفرض نفسه بقوة اللحظة، وبثقل المسؤولية.

فإما أن تُمسك الدولة بقبضة من حديد…
أو تتبخر في فوضى لا تبقي ولا تذر.

وهنا، لا مكان للرماديات…
إما رجال يُمسكون بالجمر…
أو وطنٌ يحترق.

وهكذا تُكتب النهاية…
لا بحبرٍ عادي…
بل بحبرٍ من نار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى