
في لحظةٍ يترقب فيها الوطن أنفاس أبنائه، ويستند إلى سواعدهم الصلبة، يطل العيد من قلب الخنادق والدفاعات، لا كزائرٍ عابرٍ يحمل زينةً وأهازيج، بل كضيفٍ ثقيلٍ يختبر صبر الرجال ويقيس حجم الانتماء. جنود الوطن البواسل، أولئك الذين يواجهون حرارة الليل ولهيب النهار، لا يعرفون العيد كما يعرفه الناس في المدن والقرى، بل يعرفونه على هيئة دعاءٍ خافتٍ بين جدران الرمل، وابتسامةٍ متعبةٍ تتسلل من تحت الخوذ، وعيونٍ تترقب الأفق بحثاً عن أمانٍ طال انتظاره. العيد عندهم ليس ثوباً جديداً ولا مائدةً عامرة، بل هو لحظة صمودٍ إضافية، ووقفة عزٍ تتجدد مع كل طلقةٍ تُطلق دفاعاً عن الأرض والعرض.
في الخنادق، حيث تختلط رائحة البارود بتراب الوطن، يكتب الجنود عيدهم بأحرفٍ من العرق والدم، يرفعون التكبيرات في صمتٍ مهيب، ويستحضرون صور الأهل والأحبة في مخيلتهم، كأنهم يزرعون الأمل في قلوبهم رغم قسوة الظروف. هناك، لا تُقرع الطبول ولا تُضاء الفوانيس، بل تُقرع القلوب بإيمانٍ لا يتزعزع، وتُضاء الأرواح بوهج التضحية. العيد عندهم هو أن يبقى الوطن واقفاً، أن تظل الراية مرفوعة، أن يظل الشعب آمناً مطمئناً، حتى وإن غابوا عن أحضان أسرهم وعن دفء البيوت.
إنهم يواجهون العيد بصلابةٍ لا تلين، يوزعون فرحتهم على رفاقهم في الخندق، يتبادلون التهاني بكلماتٍ مقتضبة، لكنها تحمل في طياتها معنىً عميقاً، معنى أن الوطن أغلى من كل شيء، وأن التضحية في سبيله هي العيد الحقيقي. وبينما ينشغل الناس في المدن بشراء الهدايا وتجهيز الولائم، ينشغل الجنود بحراسة الحدود، يضعون أرواحهم على كفوفهم، ويعلمون أن كل لحظة يقضونها هناك هي هديةٌ ثمينة للوطن، هي العيد الذي يستحق أن يُحتفل به.
العيد من داخل الخنادق ليس مجرد مناسبة دينية أو اجتماعية، بل هو امتحانٌ للروح الوطنية، هو رسالةٌ للعالم أن هؤلاء الجنود لا يعرفون التراجع، وأنهم يكتبون تاريخاً جديداً بدمائهم، تاريخاً سيظل شاهداً على أن الوطن لا يُحمى إلا بأبنائه المخلصين. إنهم يثبتون أن العيد ليس في المظاهر، بل في المعاني، ليس في الزينة، بل في التضحية، ليس في الضحكات العابرة، بل في دموع الفخر التي تلمع في عيون الأمهات حين يسمعن أن أبناءهن يرابطون على الثغور.
هكذا، يظل العيد في الخنادق عيداً مختلفاً، عيداً يعلّمنا أن الفرح الحقيقي هو أن يبقى الوطن آمناً، وأن التضحية هي أسمى أشكال الاحتفال، وأن الجنود البواسل هم العيد ذاته، هم زينته وبهجته، هم الذين يجعلون من كل يومٍ يمر على الوطن عيداً جديداً، عيداً من قلب الخنادق، ممزوجاً بوهج التضحية وإيمانٍ لا ينكسر.


