المعز مجذوب يكتب : كلاكيت تاني مرة

في السياسة، كثيرون يتحركون بردود الأفعال، وقليلون فقط من يتحركون وفق رؤيةٍ محسوبة وخطةٍ مدروسة. وفي قراءة متأنية لمسار عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن البرهان، يتضح أن الرجل لا يدير الدولة بعشوائية اللحظة، بل بعقلٍ يعرف ما يفعل، ويدرك تمامًا إلى أين يريد أن يمضي.
ما يعجبني في هذا القائد، ليس فقط حضوره في المشهد، بل وضوحه الداخلي؛ ذلك النوع من القادة الذين لا تُربكهم الضغوط، ولا تُشتتهم الأصوات العالية. هو ليس في حالة بحثٍ عن طريق، بل في حالة تنفيذ لمسار. وهذه نقطة فارقة بين من يقود، ومن يُقاد.
إن البرهان، ومن خلال متابعتي الدقيقة، يتعامل مع الواقع السوداني باعتباره معادلة معقدة، تحتاج إلى توازن دقيق بين الأمن والسياسة، بين الحسم والمرونة، بين الداخل والخارج. وهذه القدرة على إدارة التناقضات ليست وليدة الصدفة، بل نتاج عقلٍ استراتيجي يستند — بلا شك — إلى دائرة من المستشارين الذين نرفع لهم القبعات عالية.
فهؤلاء المستشارون، الذين يعملون خلف الكواليس، يمثلون جزءًا أصيلًا من صناعة القرار، يسهمون في قراءة المشهد، وتقديم الخيارات، وترتيب الأولويات. ومن الواضح أن هناك انسجامًا بين القائد وهذه الدائرة، انسجامٌ يقوم على الثقة، وعلى وضوح الهدف، لا على المجاملة أو التبعية.
القائد الذي “يعرف هو بسوي في شنو وهو داير شنو” لا يتحرك تحت ضغط اللحظة، بل يصنع اللحظة نفسها. وهذا ما نلمسه في كثير من القرارات التي، وإن بدت للبعض مفاجئة، إلا أنها في حقيقتها تأتي ضمن سياقٍ متكامل، قد لا يراه الجميع، لكنه موجود لمن يقرأ ما بين السطور.
غير أن هذا النوع من القيادة، رغم قوته، يظل في حاجةٍ دائمة إلى مراجعة وتقييم، لأن وضوح الرؤية لا يعني عصمتها من الخطأ، كما أن قوة القرار لا تعني بالضرورة كمال نتائجه. فالدول لا تُدار فقط بالثقة، بل أيضًا بالنقد البنّاء، وبفتح المساحات للرأي الآخر.
إن المرحلة التي يمر بها السودان تتطلب قيادة تعرف ماذا تريد — وهذا متوفر — لكنها تحتاج كذلك إلى توسيع دائرة المشاركة، وتعميق الشفافية، حتى تتحول الرؤية من مشروع قيادة إلى مشروع وطن.
ختامًا، فإننا حين نرفع القبعات للمستشارين، لا نفعل ذلك مجاملة، بل إقرارًا بدورهم في تشكيل هذا المسار. وحين نتحدث عن القائد، فإننا لا نصف شخصًا بقدر ما نقرأ تجربة، تجربة تقول إن وضوح الهدف هو نصف الطريق… أما النصف الآخر، فهو القدرة على تحويل هذا الهدف إلى واقعٍ يلمسه الناس في حياتهم اليومية .


